زيادة على الورق وفقر في الواقع... كيف يعيش المتقاعد السوري بمعاش لا يغطي الدواء؟
في كل مرة تُعلن فيها زيادة على الرواتب أو المعاشات التقاعدية، يُعاد إنتاج الخطاب ذاته: «تحسين الواقع المعيشي»، «تعزيز الاستقرار الاجتماعي»، و«تقدير سنوات الخدمة». عبارات تبدو جميلة على الورق، لكنها تصطدم مباشرة بجدار الواقع القاسي الذي يعيشه المتقاعد السوري يومياً؛ واقع لا يشبه إطلاقاً اللغة الرسمية المطَمئنة التي تتحدث عن تحسين القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية.
التصريحات الأخيرة للمدير العام للمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية حول المرسوم رقم 135، والتي اعتبرت أن زيادة 30% على المعاشات التقاعدية ستنعكس بشكل «مباشر وملموس» على حياة المتقاعدين، تطرح سؤالاً مشروعاً لا يمكن تجاهله: أي أثر ملموس يمكن أن تحدثه زيادة تُضاف إلى معاشات فقدت قيمتها الفعلية منذ سنوات طويلة تحت وطأة التضخم والانهيار المستمر في القدرة الشرائية؟
فالحقيقة التي يعرفها كل متقاعد، وكل أسرة سورية، أن المشكلة لم تعد في نسبة الزيادة، بل في الفجوة الهائلة بين الدخل وكلفة الحياة. فحين يُقال إن الحد الأدنى للمعاش أو الأجر أصبح مليوناً ومئتين وخمسة وستين ألف ليرة، فإن السؤال الحقيقي ليس كم بلغ الرقم، بل ماذا يستطيع أن يشتري؟ وهل يكفي أصلاً لأسبوع واحد من الاحتياجات الأساسية؟
المتقاعد السوري اليوم لا يعيش أزمة «تحسين دخل»، بل أزمة بقاء. فالرجل أو المرأة من الذين أمضوا ثلاثين أو أربعين عاماً في الخدمة، يجدون أنفسهم في نهاية العمر عاجزين عن تأمين الدواء، أو مراجعة طبيب، أو شراء احتياجات غذائية أساسية دون الاستدانة أو طلب المساعدة من الأبناء والأقارب. والأسوأ أن كثيراً من المتقاعدين باتوا يختارون بين الطعام والعلاج، لأن الجمع بينهما أصبح رفاهية مستحيلة.
كيف يمكن الحديث عن «تعزيز الاستقرار الاجتماعي» بينما القسم الأكبر من المعاش التقاعدي يذهب خلال أيام قليلة لتغطية فاتورة أدوية الأمراض المزمنة؟
فمريض الضغط أو السكري أو القلب قد يحتاج شهرياً إلى مبالغ تفوق نصف راتبه التقاعدي ليستمر على قيد الحياة فقط. أما التحاليل الطبية والصور الشعاعية والمعاينات، فقد أصبحت خارج قدرة معظم كبار السن، في ظل التراجع الكبير في الخدمات الصحية وارتفاع تكاليف العلاج بشكل جنوني.
ثم أي استقرار اجتماعي يمكن تحقيقه بينما المتقاعد الذي يفترض أن ينعم بالراحة بعد سنوات العمل، يُدفع اليوم للبحث عن أي عمل إضافي، مهما كان مرهقاً أو مهيناً، ليؤمن احتياجاته اليومية فقط؟
كثير من المتقاعدين يعملون حراساً أو باعة متجولين أو في أعمال شاقة لا تتناسب مع أعمارهم أو أوضاعهم الصحية، لأن المعاش التقاعدي لم يعد معاشاً للحياة، بل مجرد مساهمة رمزية لا تكفي للحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
الأكثر قسوة أن الدولة نفسها تعترف ضمناً بانهيار قيمة الرواتب عندما تربط الحد الأدنى للمعاش بالحد الأدنى للأجور، في حين أن هذا «الحد الأدنى» لا يحقق فعلياً الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
فالحد الأدنى للأجر، وفق المفهوم الاقتصادي والاجتماعي، يجب أن يضمن السكن والغذاء والعلاج والنقل والتعليم والاحتياجات الأساسية للإنسان. أما في الواقع الحالي، فهو بالكاد يغطي جزءاً من نفقات العلاج والتداوي الشهرية لشخص مسن يعاني من أمراض مزمنة، فكيف إذا أضيفت إليه تكاليف الطعام والكهرباء والمواصلات والاحتياجات اليومية؟
إن المأساة الحقيقية للمتقاعدين ليست في ضعف الدخل فقط، بل في الشعور المرير بأن سنوات الخدمة الطويلة انتهت إلى شيخوخة مثقلة بالعوز والإهمال. فمن أفنى عمره في العمل وخدمة مؤسسات الدولة، كان يفترض أن يحظى بضمان صحي حقيقي، ومعيشة مستقرة، وحياة تحفظ كرامته الإنسانية، لا أن يتحول في آخر العمر إلى ضحية دائمة لارتفاع الأسعار وتآكل قيمة الليرة والتصريحات الرسمية المتفائلة.
الزيادة الأخيرة، مهما حاول البعض تسويقها كإنجاز اجتماعي، ستتبخر سريعاً في السوق قبل أن تصل فعلياً إلى جيوب المتقاعدين. فالسوق السورية اعتادت أن تسبق أي زيادة بموجة ارتفاعات جديدة تلتهمها بالكامل، وكأن المواطن يدور في حلقة مفرغة؛ زيادة شكلية تتبعها قفزة أكبر في الأسعار، ثم يعود العجز المعيشي أكثر قسوة مما كان.
المطلوب اليوم ليس مجرد زيادات رقمية تُستهلك إعلامياً، بل رؤية اقتصادية حقيقية تعيد الاعتبار للمتقاعد، وتربط الأجور والمعاشات بمؤشرات التضخم والأسعار الفعلية، وتؤمن نظاماً صحياً يحمي كبار السن من الإذلال على أبواب المشافي والصيدليات. فكرامة المتقاعد لا تُقاس بنسبة زيادة على الورق، بل بقدرته على أن يعيش شيخوخته بأمان، دون خوف من المرض أو الجوع أو الحاجة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1280