رواتب «النخبة الوظيفية» مقابل أجور الجوع...  الزيادات النوعية تعمّق التمييز داخل القطاع العام

رواتب «النخبة الوظيفية» مقابل أجور الجوع... الزيادات النوعية تعمّق التمييز داخل القطاع العام

رغم أن رفع الأجور في سورية بات ضرورة معيشية لا تحتمل التأجيل بعد سنوات طويلة من الانهيار الاقتصادي والتضخم، فإن ما أُعلن مؤخراً تحت عنوان «الزيادات النوعية» كشف عن سياسة أجرية شديدة التفاوت، أعادت تقسيم العاملين في الدولة إلى فئات متباعدة مالياً بشكل غير مسبوق، بدل أن تؤسس لمعالجة حقيقية وشاملة لأزمة الرواتب والأجور.

فالزيادات الأخيرة لم تذهب بمعظمها إلى القاعدة الواسعة من العاملين الذين يواجهون يومياً تكاليف معيشية خانقة، بل تركزت بصورة واضحة في وظائف محددة وعدد محدود نسبياً من أصحاب المسميات «النوعية» أو «النخب الوظيفية»، فيما بقيت الأغلبية الساحقة من الموظفين والمتقاعدين خارج أي تحسن فعلي في مستوى معيشتهم.


الأرقام وحدها تكشف حجم الفجوة الجديدة داخل القطاع العام.


ففي قطاع الصحة، أصبح راتب مدير مديرية صحة يقارب 143 ألف ليرة سورية جديدة، بينما يتراوح راتب الطبيب الاختصاصي بين 95 و120 ألفاً، والطبيب العام بين 72 و85 ألفاً، في حين بقي الممرض بين 26 و35 ألفاً فقط. أي إن موظفاً واحداً في قمة الهرم قد يتقاضى ما يعادل رواتب أربعة أو خمسة ممرضين يعملون يومياً في الخطوط الأمامية نفسها، ويتحملون ضغط العمل والاستنزاف ذاته تقريباً.
أما في قطاع التعليم العالي، فقد ارتفع راتب رئيس الجامعة إلى نحو 218 ألف ليرة، وعميد الكلية إلى 150 ألفاً، والأستاذ الجامعي إلى أكثر من 100 ألف، بينما بقي الإداري الجامعي أو العامل الفني ضمن حدود 30 إلى 40 ألفاً فقط. وهنا تبدو الفجوة أكثر استفزازاً، لأن المؤسسة الواحدة باتت تضم مستويات دخل متباعدة بصورة حادة، رغم أن العملية التعليمية والإدارية تقوم على تكامل جميع العاملين لا على النخبة الأكاديمية وحدها.
وفي قطاع التربية، الذي يضم عشرات آلاف المعلمين والمدرسين، بقيت الرواتب ضمن الحدود الأدنى نسبياً، إذ يتراوح راتب المدرس أو المعلم بين 23 و40 ألف ليرة تقريباً، بينما تصل بعض المواقع الإدارية إلى أكثر من 50 ألفاً. وبذلك، فإن القطاع الذي يُفترض أنه أساس بناء المجتمع لا يزال من أقل القطاعات استفادة فعلياً، رغم أنه يعاني هو الآخر من هجرة الكفاءات والتسرب الوظيفي وضعف الحوافز.
المفارقة الأكثر وضوحاً أن المستفيدين الحقيقيين من القفزات الكبرى في الرواتب يمثلون نسبة محدودة جداً من إجمالي العاملين في الدولة. فالفئات التي حصلت على زيادات ضخمة- من أطباء اختصاص ورؤساء جامعات ومديرين وفئات نوعية محددة- تُعد بالمئات وربما أقل داخل بعض المؤسسات، بينما تبقى الكتلة الكبرى، وهي من المعلمين والإداريين والعمال والمستخدمين والفنيين والممرضين، ضمن رواتب لا تزال عاجزة حتى بعد الزيادة عن تغطية الاحتياجات الأساسية.
وهنا يظهر التناقض الأساسي في السياسة الأجرية الجديدة، فبينما جرى الحديث عن «تحسين الرواتب»، فإن معظم العاملين لم يحصلوا عملياً إلا على الزيادة العامة البالغة 50%، وهي زيادة التهمها التضخم وارتفاع الأسعار بسرعة كبيرة، لتبقى القدرة الشرائية شبه مشلولة كما كانت.

فما الذي يمكن أن يفعله موظف يتقاضى 30 أو 35 ألف ليرة جديدة أمام تكاليف سكن ونقل وغذاء ودواء تتجاوز أضعاف هذا الرقم؟ وكيف يمكن الحديث عن «تحسن معيشي» بينما لا تزال غالبية الأسر الموظفة تعتمد على الحوالات أو العمل الإضافي أو الديون لتأمين الحد الأدنى من الحياة؟
الأخطر أن هذه الفوارق الحادة لا تهدد العدالة الاجتماعية فقط، بل تهدد بيئة العمل نفسها أيضاً. فعندما يشعر آلاف الموظفين أنهم خارج دائرة الاستفادة الحقيقية، وأن الجهد نفسه لم يعد يقابله تقدير متوازن، فإن ذلك يخلق احتقاناً وظيفياً عميقاً ويضرب الحافز والانتماء والإنتاجية داخل المؤسسات العامة.
فالتمييز المالي الحاد داخل المؤسسة الواحدة قد يدفع نحو:
مزيد من الإحباط الوظيفي.
ضعف الالتزام والإنتاجية.
تنامي الشعور بالغبن بين العاملين.
زيادة الهجرة أو البحث عن أعمال إضافية.
تفكك مفهوم «العمل الجماعي» داخل القطاع العام.
وإذا كانت الحكومة تبرر هذه السياسة بالحفاظ على الكفاءات ومنع هجرتها، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل يجوز حماية فئة محدودة عبر تهميش الغالبية؟
ثم تأتي الفئة الأكثر تضرراً والتي جرى تجاهلها بالكامل تقريباً؛ المتقاعدون.

فهؤلاء لم تشملهم الزيادات النوعية الأخيرة، رغم أنهم الشريحة الأكثر هشاشة وفقراً واحتياجاً. كثير من المتقاعدين يعيشون اليوم برواتب بالكاد تكفي لشراء الأدوية أو دفع جزء بسيط من تكاليف المعيشة، ومع ذلك بقوا خارج أي معالجة جدية، وكأن سنوات خدمتهم الطويلة لم تعد تستحق حتى الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية.
إن أخطر ما في الزيادات النوعية ليس حجم التفاوت الذي خلقته فقط، بل تكريسها لفكرة أن العاملين في الدولة لم يعودوا متساوين في الحق بحياة كريمة، وأن بعض الوظائف باتت تستحق «العيش»، فيما تُترك الأغلبية لمواجهة الغلاء برواتب تقترب أكثر فأكثر من أجور الفقر والجوع.
رفع الأجور ضرورة، نعم. لكن العدالة في توزيعها ضرورة أكبر، لأن أي سياسة أجرية تفقد بعدها الاجتماعي تتحول من أداة حماية إلى مصدر جديد للتمييز والاحتقان والانقسام داخل المجتمع ومؤسسات الدولة.
المطلوب اليوم ليس إلغاء مبدأ الزيادات النوعية بحد ذاته، بل إعادة ضبطه ضمن سياسة أجرية أكثر توازناً وعدالة، تضمن:
رفع الحد الأدنى للأجور بشكل حقيقي يواكب تكاليف المعيشة.
ثم بناء فروقات مدروسة لا تتحول إلى فجوات حادة داخل المؤسسة الواحدة أو بين القطاعات.
كما يجب أن تُربط أي زيادات مستقبلية بمراجعة شاملة لسلم الرواتب يشمل جميع العاملين، بما فيهم المتقاعدون، لضمان عدم ترك الأغلبية خارج أي تحسن فعلي.
فمن دون عدالة في التوزيع، تبقى أي زيادة جزئية عاجزة عن تحقيق الاستقرار الاجتماعي أو تحسين بيئة العمل بشكل مستدام.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1279