التعاون السكني... فسادٌ وريع؛ ووعود لا تبني سقفاً
سارة جمال سارة جمال

التعاون السكني... فسادٌ وريع؛ ووعود لا تبني سقفاً

إذا كان هناك قطاع أهلي– نظرياً– كان من المفترض أن يكون مظلة للعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، فإن قطاع التعاون السكني يقدم نموذجاً حيّاً في معرض الإخفاقات المزمنة.

قطاع كان، ولا يزال، ضحية لفساد عميق نخر عظامه منذ عقود، وصولاً إلى سرقة أموال المودعين والأعضاء، وانتهاءً بدور الدولة الغائب أصلاً أو الحاضر بشكل مشوه يكرس المعاناة بدلاً من حلها.


قطاع بلا أرض ولا تمويل


ما يعانيه القطاع ليس وليد اللحظة، ويمكن اختزال جوهر الأزمة في نقطتين، تفرعت عنهما كل الكوارث:
الأولى؛ تأمين المساحات المناسبة من الأراضي لأجل تشييد الأبنية السكنية المطلوبة.
والثانية؛ توفير مصادر التمويل اللازمة من أجل تنفيذ مهامه.
وعلى هاتين النقطتين تراكمت أوجه الفساد؛ فساد في توزيع الأراضي؛ وعقود البناء؛ وإدارة الجمعيات التعاونية، وصولاً إلى سرقة المدخرات تحت غطاء «تعاوني». وهذا ليس اتهاماً، بل وقائع تكشفت جزئياً في السنوات والعقود الماضية، وما خفي كان أعظم.


خطط جديدة/قديمة


كشف مدير التعاون السكني في وزارة الأشغال العامة والإسكان، محمد أسامة الشعباني، لصحيفة «الوطن»، في 11 أيار، عن خطة لتطوير القطاع.
وأعلن عن إقالة معظم مديري التعاون السكني في المحافظات، واتباع «الحوكمة الرشيدة»، متحدثاً عن «الفساد والترهل الإداري». إلا أن الإقالات وحدها لا تستأصل الفساد؛ فهو ليس ظاهرة شخصية بقدر ما هو نتاج إدارة تتحكم في تخصيص الموارد.


مغالطة الاحتكار


تحدث الشعباني أيضاً عن تضمن الخطة «كسر احتكار المصرف العقاري»، وتعزيز «منافسة مصرفية» عبر إدخال المصارف الخاصة في عمل التعاون السكني.
هذا التصريح، إن لم يكن تمهيداً «ناعماً» لخصخصة القطاع، فهو بالتأكيد إما جاهل أو مضلل.
فالحقيقة أن العقاري لم يكن يوماً محتكراً للقروض السكنية، والمصارف الخاصة كانت حاضرة دائماً. واسمه «العقاري» لأن هذ مهمته الأساسية، وليس لأنه «يحتكر» شيئاً!
إلا أن الخوف الفعلي هو أن يكون «كسر الاحتكار» مجرد غطاء لتصفية دور المصرف العقاري ككيان حكومي، واستبداله كلياً بالمصارف الخاصة. وهذا، بكل بساطة، كارثة.
فالمصارف الخاصة لا تعرف معنى «السكن الاجتماعي»؛ مهمتها هي الربح، وربحها يأتي من فوائد مرتفعة، وضمانات صارمة، وشروط تكسر الظهر، هي خارج متناول الغالبية العظمى من السوريين الباحثين عن مأوى.


انفصال الدولة عن نفسها!


أفاد الشعباني كذلك «بعدم وجود قناة تواصل مباشرة مع المصرف المركزي»!
كيف يمكن لقطاع حيوي أن يخطط لتمويله من دون أي تنسيق مع من يمسك بزمام السياسة النقدية؟
ويبدو وكأن أجزاء الدولة تعمل في صوامع معزولة؛ بحيث يُترك القطاع السكني يتخبط من دون تمثيل عبر اتحاد الجمعيات، ومن دون صوت في رسم السياسات الائتمانية، ومن دون ضمانات بأن الودائع التي يجمعها من المواطنين ستذهب فعلاً إلى تمويل سكنهم.

الغائبة المغيّبة


أدى غياب الدولة عن دورها الأساسي في قطاع الإسكان، وحل اتحاد الجمعيات السكنية، لتقارع كل جمعية أزماتها وحيدة، إلى كل ما وصل إليه القطاع من ترهل وفساد.
فالدولة التي تخلت عن تخطيط المدن، وتخصيص الأراضي للمشاريع السكنية، وتركت السوق لشركات التطوير العقاري، وتفرجت على تحويل السكن إلى سلعة تخضع للمضاربة، ثم ترفع اليوم شعار «الحوكمة» و«كسر الاحتكار»، إما أنها لا تفهم طبيعة الأزمة، أو أنها جزء منها.
وما لم تعد الدولة إلى لعب دور المخطط، والممول، والضامن الاجتماعي، فكل الخطط التطويرية ستذهب أدراج الرياح. فالمواطن لا يريد وعوداً، ولا تهمه «المنافسة المصرفية»؛ بل يريد أرضاً بثمن معقول، وقرضاً يمكنه سداده، ومأوى لعائلته بعيداً عن جشع السماسرة وسرقة الفاسدين.
وحتى ذلك الحين، سيبقى قطاع التعاون السكني عنواناً للإخفاق والفساد، ودليلاً على أن الدولة لا تزال عاجزة عن تأمين أبسط حقوق مواطنيها.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1279