الصادرات لعام 2025... بين الطموح والواقع
فرح شرف فرح شرف

الصادرات لعام 2025... بين الطموح والواقع

يتجاوز التباين في الأرقام المعلنة لقيمة الصادرات السورية لعام 2025 مسألة الدقة في الحسابات، ليعكس طبيعة الخطاب الاقتصادي الرسمي.

فخلال اجتماع المكتب الإقليمي لاتحاد المصدرين والمستوردين العرب في دمشق، بتاريخ 17 أيار، كشف مدير هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات، منهل الفارس، أن قيمة الصادرات السورية تجاوزت ملياري دولار، بينما تظهر بيانات نظام GTI حول سورية (وهو الأكثر شمولاً ودقة في التجارة الدولية) رقماً آخر هو 865,6 مليون دولار.
هذا الفارق الكبير– الذي يتجاوز 1,13 مليار– يكشف عمّا يبدو أنه فجوة بين نوعين من الأرقام؛ الأرقام التعاقدية التي قد تستند إلى عقود موقعة أو خطط طموحة؛ والأرقام الجمركية المحققة، التي تمثل ما غادر البلاد فعلياً ودخل الميزان التجاري.
وبالرجوع إلى أداء النصف الأول من 2025، الذي بلغت الصادرات فيه نحو 580 مليون دولار، نجد أن سيناريو بلوغ مليارين يستلزم قفزة خيالية في النصف الثاني بمعدل 236 مليون دولار شهرياً، أي نمو بنسبة 145% عن النصف الأول!
بالمقابل، فإن استمرار الأداء بالوتيرة نفسها سيجعل قيمة الصادرات ما يقارب 1,16 مليار دولار، ما يجعل الرقم 865,6 مليون أكثر انسجاماً مع سياق تراجع الإنتاجية وانكماش الصناعة والزراعة، بينما يُقرأ الرقم الصادر عن الهيئة كخطاب سياسي يهدف إلى تلميع صورة «التعافي» في ظل غياب آليات رقابية وشفافة على المعلومة الاقتصادية.


اقتصاد يعيد إنتاج التبعية


يشير الفارس إلى أن القطاعات الزراعية والإنتاجية شكلت أكثر من 80% من الصادرات. 64% منها تشمل الخضار والفواكه والزيتون وزيت الزيتون والأغنام الحية.
ما يعني أن الفجوة ليست في الحجم فقط، بل في النوع أيضاً؛ أي إننا أمام نموذج يقدم سورية كمصدِّر للمواد الخام ومستورِد للسلع الجاهزة.
وعلى سبيل المثال، يبدو تحقيق الماعز وغنم العواس لأكبر زيادة مطلقة في قيمة الصادرات بنسبة 90%، مثالاً على الإشكالية الأخلاقية والاقتصادية في السياسات الحالية. فتصدير العواس– الذي يتمتع بميزة مطلقة– يتجاوز مسألة الأمن الغذائي.
فعندما تتحول سلة الغذاء والثروة الحيوانية للسوريين إلى سلعة تصديرية تدرّ الدولار، الذي يذهب لتمويل فاتورة الاستيراد الباهظة، فإن ذلك يعني تراجع الأولويات الوطنية لصالح خطاب «إصلاح اقتصادي» سطحي، يخلط بين التصدير والتعافي من دون النظر إلى التكلفة الاجتماعية المباشرة.


انهيار الإنتاج المحلي


على الجانب الآخر من الميزان، تصل واردات سورية بحسب إحصاءات GTI (نظراً لغياب أي أرقام رسمية!) إلى 6,82 مليار دولار، بحيث يبلغ العجز في الميزان التجاري 5,956 مليارات، لتحتل سورية المرتبة 59 عالمياً في العجز التجاري.
وحتى لو افترضنا جدلاً «صحة» رقم الصادرات البالغ مليارين، فإن العجز سيبلغ 4,82 مليارات، وهو رقم لا يقل كارثية؛ بحيث لا تغطي الصادرات إلا 20% تقريباً من قيمة المستوردات!
وتشير البيانات إلى أن المنتج الذي حقق أكبر زيادة في الواردات هو «إسمنت بورتلاند»، بمعدل نمو مذهل بلغ 242,91%، وهو سلعة أساسية كانت تنتجها سورية قبل الأزمة، لتتحول اليوم إلى سوق مستهلِكة بالكامل.


ليس عام «التعافي»!


يعادل العجز التجاري المتسع والمستمر نحو 18% من الناتج المحلي الإجمالي، والبالغ 33,7 مليار دولار (على حد زعم الحكومة)، الأمر الذي يضغط على الليرة ويهدد الاستقرار المعيشي.
فنتيجة غياب خطة إنتاجية متكاملة، تعيد الاعتبار للقطاعين الصناعي والزراعي، ستبقى سورية عالقة في نموذج يعيد تدوير الفقر، ويستنزف العملة الصعبة لتمويل واردات لا نهاية لها.
بينما يدفع المواطن المفقر– كما هو الحال دائماً– الثمن الأكبر؛ فالدولة تجبي من المواطن، والمواطن يفتقر إلى الإنتاج، والدولة تستورد احتياجاته، وتفرض رسوماً جمركية وضرائب، والمواطن يدفع لدولة لا تنتج.


الخلاصة...


بعيداً عن «الخطب الرنانة»؛ هل سياسة التصدير الحالية تأتي على حساب المستهلك وقدرته الشرائية؟ البيانات الدولية وواقع السوريين اليومي يجيب بنعم!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1279