تحت مشرط الإهمال، حين يدفع السوريون حياتهم ثمناً لانهيار المنظومة الصحية...!
لا يكاد يمر يوم في سورية، دون أن يخترق خبر وفاة جديدة بسبب «خطأ طبي «جدار الصمت، تاركاً وراءه عائلة مفجوعة وأسئلة بلا إجابات. لكن تحميل الطبيب وحده وزر هذه الكوارث المتصاعدة ليس سوى «تبسيط مخلّ» لحقيقة أعمق وأشد قتامة، فالأخطاء الطبية المتزايدة ليست حوادث فردية، بل هي العرض الأكثر إيلاماً لانهيار شامل في بنية النظام الصحي.
ورغم أن الإهمال الفردي لا يمكن تبريره، إلا أن جذور الظاهرة يكشف عن عوامل متشابكة ومعقدة، تتحمل مسؤوليتها سياسات صحية واقتصادية فاشلة دفعت بالقطاع إلى حافة الهاوية.
شواهد من غرفة العمليات
في 6 أيار، دخلت سيدة في حلب إلى إحدى المشافي الخاصة لإجراء عملية تجميل، لكنها لم تستيقظ، وبحسب رواية زوجها، خضعت لنوعين من التخدير، ونُقلت بعدها إلى العناية المركزة قبل أن تُفارق الحياة، لتتحول قضيتها إلى مادة دسمة تعيد أخطاء التخدير القاتلة إلى الواجهة.
هذه المأساة ليست إلا غيضاً من فيض، فالتقارير تشير إلى تسجيل 182 شكوى خلال عام 2025، و63 شكوى في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026.
«عملة نادرة»
في قلب العاصفة يقف النقص الكبير في أعداد أطباء التخدير (الأكثر خطورة وحساسية)، إنها «الجريمة الصامتة» بحق المرضى.
فوفقًا لأحدث الإحصائيات الموثقة، انخفض عدد أطباء التخدير في سورية من 925 طبيباً عام 2010 إلى 698 فقط عام 2024، بنسبة انخفاض 24,5%، والأدهى أن سورية تمتلك حالياً أقل من 1,1 طبيب تخدير لكل 100 ألف نسمة مقابل احتياج يتجاوز 1500 طبيب، هذه الفجوة المرعبة التي تقدر بنحو 30 ضعفاً عن الحد الأدنى المطلوب عالمياً، دفعت المستشفيات العامة والخاصة للاعتماد بشكل متزايد على فنيي تخدير ومساعدين، بعضهم يفتقر إلى الخبرة اللازمة، مما يزيد من احتمالات الكوارث والأخطاء الطبية.
«مَن يزرع الريح يحصد العاصفة»
لا يمكن فهم مشهد العجز «المؤلم» في الكفاءات الطبية بمعزل عن موجة الهجرة الجماعية التي ضربت القطاع الصحي كنتيجة حتمية لسياسات «تطفيشية» متعمدة على زمن السلطة الساقطة والمستمرة حتى الآن. فالتقديرات الأخيرة تشير إلى أن سورية خسرت ما يزيد عن 70% من إجمالي كادرها الطبي، والسبب ليس غامضاً؛ ففي ظل أوضاع اقتصادية ومعيشية خانقة، ورواتب متدنية لا تتناسب مع تكاليف المعيشة المتصاعدة، يجد الأطباء أنفسهم أمام خيار وحيد هو البحث عن حياة كريمة خارج البلاد.
وحده قانون «العدالة» الأعمى هو من يجرؤ على لوم الطبيب الذي يهاجر هرباً من الفقر، بينما تتجاهل الدولة مسؤوليتها في توفير بيئة عمل إنسانية تحفظ كرامة كوادرها لتحافظ على أرواح مواطنيها.
«لا للمساءلة «و«نعم للحصانة»
في ظل هذا الفراغ المهني، يغيب قانون رادع يحمي المريض. فالمادة 550 من قانون العقوبات السوري تنص على عقوبة «السجن من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات» لمن تسبب بموت أحد دون قصد، إلا أن الواقع القضائي يُظهر تعقيداً لإثبات «العلاقة السببية» بين الخطأ والضرر ويرهق كاهل الضحايا وذويهم، ومما يزيد الطين بلة، ذلك التعميم الصادر عام 2026 الذي يوجب إبلاغ نقابة الأطباء قبل التحقيق مع أي طبيب، في خطوة وصفها حقوقيون بأنها «منح حصانة مقنعة» تعرقل مسار العدالة وتزيد من إفلات المقصرين من العقاب.
من رحم «الليبرالية المتوحشة» يولد الموت
ولعل أعمق جذور الأزمة وأكثرها إثارة للقلق يتمثل في الضرب المتواصل لصميم دور الدولة الرعائي عبر التوجه نحو «خصخصة» القطاع الصحي العام، لتتحول الصحة إلى «سلعة» تباع وتشترى في سوق الاستثمار.
كما أن المشافي الخاصة، التي يحركها منطق «الربح» قبل إنقاذ الأرواح، تلجأ إلى تعويض نقص الكفاءات بفنيين ومساعدين أقل كلفة وخبرة، ليدفع المواطن المفقر الثمن من جيبه أولاً، ومن حياته التي قد يفقدها هو أو أحد ذويه أمام إهمال ممنهج.
ختاماً، لا يمكن اختزال تفشي ظاهرة الأخطاء الطبية في سورية بمسألة إهمال فردي هنا أو تقصير هناك، فذلك هروب من مواجهة الحقيقة المُرّة.
ما يحدث هو نتيجة حتمية لانهيار شبه كامل لمنظومة صحية بأكملها، من بنيتها التحتية المتهالكة، مروراً بكادرها المنهك ونزيف الكفاءات، ووصولاً إلى غياب التدريب المستمر، والتقييم الدوري، والمساءلة القانونية الفاعلة.
إنها أزمة مركبة تتحمل مسؤوليتها سياسات اقتصادية ليبرالية مجحفة ونظام صحي أُضعِفَ عمداً، وإلى أن تُستعاد «بوصلة الحق في الصحة «كخدمة عامة لا كسلعة، وإلى أن تُوفر الحماية للكادر الطبي بدلاً من سياسة «التطفيش»، سيبقى السوريون يدخلون غرف العمليات وقلوبهم معلقة بين «مشرط» الجرّاح، و«إهمال» الدولة الغائبة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1279
رهف ونوس