«مكرمة رسمية» من جيوب المفقرين وباستثنائهم!
في مشهدٍ رسمي يعيد إنتاج منطق «الوصاية» لا «العدالة»، أصدرت وزارة الطاقة السورية قراراً بتاريخ 17/5/2026، يقضي بصرف «مكافأة مالية تشجيعية بقيمة «مليون ليرة سورية» للعاملين في المؤسسات والجهات التابعة لها في قطاع الكهرباء، وذلك «تقديراً للجهود الاستثنائية «التي يبذلونها في «ظل الظروف التشغيلية المعقدة».
القرار في ظاهره، خطوة إيجابية طال انتظارها، فالعاملون في قطاع الكهرباء يستحقون التقدير، ولا يختلف عاقلان على أن تحفيز الكوادر الوطنية واجب حكومي، ولكن بمجرد أن نزيح الستار عن «السيولة النقدية» التي أتاحت هذا «الكرم»، نكتشف أننا أمام مشهد اقتصادي عبثي، تُختزل حكايته في جملة واحدة: إنها أموال انتُزعت من جيوب المفقرين ومن قوت يومهم الذي لا يسد الرمق تحت وطأة «كابوس الفاتورة»، ثم أُعيد تدويرها «بمكرمة» رسمية تُمنح لفئة دون أخرى.
لفهم الطبيعة الحقيقية لهذه المنحة، لا بد من العودة إلى 30/10/2025 عند رفع أسعار الكهرباء بنسبة خيالية، لتقفز قيمة فاتورة منزل متواضع الاستهلاك من بضع عشرات الآلاف إلى ما يزيد عن مليون ل.س، أي ما يعادل راتب موظف كامل أو يفوقه.
هذا المنحى «الجبائي» خلق في خزائن شركات الكهرباء كتلة مالية ضخمة، هي التي «أتاحت»- بحسب نص القرار- صرف منحة لموظفيها بحسب ما ورد: «بناءً على السيولة النقدية المتوفرة لدى تلك الجهات». وبكلمات لا تحتمل التأويل: المنحة التي «تكرمت» بها الوزارة، هي جزء يسير من الأموال التي جُبيت بقسوة من المواطن، الذي حوّلته هذه السياسة إلى ممول إجباري لمنحة لا تناله ولا تمس حياته المعيشية المنهكة، هكذا تتخلى الدولة عن دورها الرعائي وتتحول إلى لغة الاستثمار والجدوى الاقتصادية بعيداً عن فكرة الخدمة العامة!
الحديث هنا أيضاً عن «الغبن»، والذي لا شك أنه قد يتعمق الشعور به لدى الفئات المستثناة، في القطاع نفسه أو في غيره، فالموظف الذي لم تشمله المنحة يرى أنه غير «مُقدّر» علماً أن الجميع يواجهون الضغوط نفسها، وهذا الشعور لا يبقى ضمن إطار نفسي بل ينعكس على الإنتاجية والانتماء الوظيفي، حيث يفقد الدافعية للعمل في ظل إحساسه بأن جهده غير مُقدّر أو أن النظام غير عادل، وهذا يغذي تناقضات ليس لها داعٍ في ظل هذه الظروف، والأجور لا تؤدي غاية الكفاف والستر.
وبالتالي، الإشكالية تكمن في تحويل هذا «الاستحقاق» إلى امتياز «حصري» لعامل دون أخر، وفي تمويله الذي جعله «ممكناً»، فلم يتأتَّ من إيرادات الدولة العامة، بل من القدرة الذاتية لمؤسسات الكهرباء على «الجباية». وهي غير متوفرة لدى المؤسسات الأخرى.
فالمعلم الذي يدرّس في صف بلا تدفئة، والممرض الذي يسهر الليالي في مشفى ينقصه كل شيء، والموظف أياً كان وأينما وجد، ألم يكدح لساعات طويلة بأجر لا يسد رمق أسرة؟!
هؤلاء جميعاً يبذلون جهوداً استثنائية في ظل ظروف عمل لا تقل صعوبة، لكن مؤسساتهم لا تمتلك «رفاهية الجباية»!
هذا التمييز الهيكلي يكرس «طبقية وظيفية» خطِرة، ويضرب مبدأ العدالة الاجتماعية في الصميم، في بلد يعيش 95% من سكانه تحت خط الفقر.
الإدانة هنا لا لمبدأ المكافأة، بل في الآلية التي أفرزتها. فالحكومة، عبر وزارة الطاقة، مارست لعبة اقتصادية ملتوية: رفع التعرفة إلى مستويات قياسية بذريعة «إصلاح القطاع وتحقيق الاستدامة»، ليدفعها المواطن من دمه وكرامته، وليتحول جزء منها إلى «مكرمة» لا تغني ولا تسمن من جوع.
هذه السياسة تخلق مواطنين من الدرجة الأولى وآخرين من الدرجة الثانية وتعيد توزيع المعاناة وترتيبها بين من يعاني أكثر ومن يعاني أقل دون أن تمس جذور الأزمة الاقتصادية التي تطال الجميع، وفق سياسة تمييزية تكافئ القدرة على التحصيل المالي المتوحش، لا الجهود المبذولة فعلياً في خدمة المواطن.
وبالمحصلة، تعميم المنحة على جميع العاملين في مؤسسات الدولة «حق» واحتكارها تمييز مرفوض.
ففي ظل واقع معيشي لا يُحتمل، لا يمكن القبول بمنطق «من كان له مال جبائي فليُكرَّم، ومن لا مال له فليصبر»! فيجب أن تستهدف الجميع بشكل متوازن لا خلق فجوات حادة بينهم، كما يجب أن تكون جزءاً من رؤية اقتصادية أوسع لضبط الأسعار التي قد «ترتفع» مع كل منحة أو زيادة على الأجور كالمعتاد استغلالاً وجشعاً، فيدفع المفقرون ثمناً مضاعفاً يزيد فقرهم فقراً!
فإما أن تكون الحكومة عادلة في تكريم عامليها، وإما أن تتحمل وزر تفكيك النسيج الاجتماعي بدلاً من إصلاحه بسياسات تمييزية ظالمة لم يعد المواطن يحتمل المزيد منها.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1279
رشا عيد