تخفيض المساعدات للنصف... والجوع يتمدّد في سورية
ماذا يعني إعلان برنامج الأغذية العالمي بالنسبة لملايين الفقراء؟ ومن يتحمل مسؤولية مواجهة الأزمة؟
في 13 أيار 2026، أعلن برنامج الأغذية العالمي خفض مساعداته الغذائية الطارئة في سورية بنسبة 50%، في خطوة تعكس عمق الأزمة الإنسانية التي لا تزال تضرب البلاد بعد أكثر من عقد على الحرب والانهيار الاقتصادي. لم يكن الإعلان مجرد تعديل تقني في برامج الإغاثة، بل إنذار واضح بأن ملايين السوريين باتوا مهددين بفقدان آخر شبكة أمان غذائي يعتمدون عليها للبقاء.
وبحسب البيان الرسمي، انخفض عدد المستفيدين من المساعدات الغذائية من 1,3 مليون شخص إلى 650 ألفاً فقط خلال شهر أيار، كما تقلّص نطاق عمليات البرنامج من جميع المحافظات السورية الأربع عشرة إلى سبع محافظات فقط. وفي الوقت نفسه، أكد البرنامج أن 7,2 ملايين شخص في سورية لا يزالون يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي، بينهم 1,6 مليون شخص يعيشون مستويات قاسية من الجوع وسوء التغذية.
الأخطر من ذلك أن البرنامج أوقف أيضاً برنامج دعم الخبز المدعوم، الذي كان يؤمّن الطحين لأكثر من 300 مخبز، ويساعد في توفير الخبز المدعوم لما يصل إلى 4 ملايين شخص يومياً في المناطق الأكثر هشاشة.
هذا القرار لا يعني أن الأزمة الإنسانية تراجعت، بل العكس تماماً. فالبرنامج شدد بوضوح على أن تقليص المساعدات جاء بسبب نقص التمويل الدولي وليس بسبب انخفاض الاحتياجات. وقالت مديرة البرنامج في سورية، ماريان وارد، إن الاحتياجات الإنسانية لا تزال مرتفعة للغاية، لكن التمويل لم يعد كافياً للاستمرار بالمستوى نفسه من الدعم السابق.
الجوع لا يعني نقص الطعام فقط
بالنسبة للأسر الفقيرة، فإن فقدان المساعدات الغذائية لا يعني نقص الطعام فقط، بل يعني الدخول في دائرة أشد قسوة من الفقر والجوع. كثير من العائلات السورية باتت تعتمد منذ سنوات على السلل الغذائية أو الخبز المدعوم لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها اليومية، خصوصاً مع انهيار القدرة الشرائية وارتفاع أسعار الغذاء والوقود.
ومع تراجع المساعدات، تضطر الأسر إلى:
تقليص عدد الوجبات اليومية.
الاعتماد على أطعمة أقل قيمة غذائية.
الاستغناء عن اللحوم والخضروات والاعتماد على النشويات فقط.
إخراج الأطفال من المدارس للعمل.
بيع الممتلكات البسيطة أو الاستدانة لتأمين الطعام.
زيادة عمالة الأطفال والزواج المبكر في البيئات الأشد فقراً.
ويحذر مختصون في الشأن الإنساني من أن استمرار هذا الوضع يرفع احتمالات سوء التغذية، خصوصاً بين الأطفال والحوامل، ويهدد بتفاقم الأزمات الصحية والاجتماعية على نطاق واسع.
كما أن وقف دعم الخبز قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الرغيف في مناطق واسعة، ما يعني أن الغذاء الأساسي للأسر الفقيرة سيصبح أكثر صعوبة في الوصول إليه. وفي بلد يعيش فيه ملايين السكان تحت خط الفقر، فإن أي ارتفاع جديد في أسعار الغذاء قد يدفع شرائح إضافية نحو الجوع الحاد.
ما الذي يفترض بالحكومة فعله؟
عندما تتراجع المساعدات الإنسانية، تصبح مسؤولية الدولة أكبر وأكثر إلحاحاً، لأن الأمن الغذائي ليس مهمة المنظمات الدولية وحدها، بل من واجبات الحكومات الأساسية تجاه مواطنيها.
وفي الحالة السورية، يفترض بالحكومة أن تتحرك على عدة مستويات متوازية:
حماية الأمن الغذائي الداخلي عبر دعم إنتاج القمح والزراعة المحلية، وتوفير المحروقات والأسمدة للمزارعين بأسعار مدعومة، ومنع الاحتكار والتلاعب بأسعار الغذاء.
الحفاظ على الخبز كسلعة مدعومة واستراتيجية، لأن الخبز في سورية ليس مجرد مادة غذائية، بل عنصر أساسي للاستقرار الاجتماعي، وأي تراجع في دعمه قد ينعكس مباشرة على معدلات الجوع والاحتقان المجتمعي.
توجيه الموارد العامة نحو الخدمات الأساسية وشبكات الحماية الاجتماعية، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية العميقة.
تعزيز التعاون مع المنظمات الدولية والجهات المانحة لإيجاد بدائل تمويلية تمنع اتساع دائرة الجوع.
خلق برامج تشغيل وفرص دخل، لأن المساعدات وحدها لا تكفي على المدى الطويل، بينما يظل العمل والدخل المستقر الوسيلة الحقيقية لحماية الأسر من الفقر المزمن.
أزمة تتجاوز الأرقام
إعلان 13 أيار لم يكن مجرد خبر عن خفض مساعدات، بل مؤشر خطِر على هشاشة الوضع المعيشي في سورية. فبينما تتراجع المساعدات الدولية، لا يزال ملايين السوريين عاجزين عن تأمين غذائهم اليومي، الأمر الذي يجعل قضية الأمن الغذائي واحدة من أخطر التحديات الإنسانية والاقتصادية التي تواجه البلاد اليوم.
وفي ظل هذا الواقع، فإن السؤال لم يعد: كيف سيعيش الفقراء؟ فقط، بل: إلى متى يمكن لمجتمع يعاني هذا المستوى من الجوع والحرمان أن يصمد؟ أيضاً
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1278