حين تصبح الكهرباء عبئاً.. معدل... وتتحول الفاتورة إلى عقوبة حياة

حين تصبح الكهرباء عبئاً.. معدل... وتتحول الفاتورة إلى عقوبة حياة

تبدأ الحكاية من فاتورة كهرباء لا تشبه الفاتورة، بل تشبه صفعة باردة تُترك على باب بيتٍ أنهكه كل شيء. ورقة صغيرة، أرقام كبيرة، وقلوب أثقل من أن تُحصي ما تراكم عليها من عجز وخوف وتأجيل دائم لكل شيء. في الشوارع، في الأحياء، في البيوت التي بالكاد تضيء بمصباح واحد، يخرج إعلان جديد من شركات الكهرباء في المحافظات: غرامات، إجراءات قانونية، قطع، وسحب عدادات. وكأن المشكلة كانت يوماً في «التساهل»، لا في القدرة أصلاً على الدفع، وكأن الناس كانوا يتلكؤون عمداً، لا أنهم يلهثون خلف حياة تتراجع من تحت أقدامهم يوماً بعد يوم.

وفي المقابل، تمتلئ الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي باللقاءات والريبورتاجات التي تنقل وجع الناس بلا رتوش. وجوه متعبة تتحدث عن فواتير تفوق الدخل، عن عائلات تختار بين أساسيات الحياة وبين إبقاء لمبة صغيرة مضاءة، عن غضب لا يجد منفذاً إلا الكلام أمام كاميرا أو منشور عابر. احتجاجات، اعتصامات، شكاوى فردية وجماعية، كلها تقول الشيء نفسه: إن ما يحدث لم يعد محتملاً. ومع ذلك، يبدو المشهد وكأنه يدور في دائرة مغلقة، صوت الناس فيه واضح ومتكرر، لكن صداه لا يصل إلى حيث يجب أن يصل، أو يصل محمّلاً بما يكفي من التجاهل حتى يفقد تأثيره.

حتى الدعاوى القضائية التي رُفعت ضد التعرفة المجحفة للكهرباء، وما تزال منظورة أمام القضاء، تكشف حجم الاعتراض الشعبي المتصاعد على هذه السياسة. وبغض النظر عن النتائج التي ستنتهي إليها تلك القضايا، فإن مجرد وصول الناس إلى أبواب المحاكم يعكس مستوى الاختناق الذي بلغته الأزمة، ويؤكد أن الرفض لم يعد مجرد تذمر عابر أو غضب على وسائل التواصل، بل تحول إلى مسار احتجاجي متعدد الأشكال، من الشارع والإعلام إلى القضاء نفسه. وهذا بحد ذاته رسالة واضحة بأن التعرفة الحالية لم تعد مقبولة اجتماعياً ولا محتملة معيشياً، وأن الإصرار على تجاهل كل هذه الأصوات لن يؤدي إلا إلى تعميق الاحتقان وتوسيع الفجوة بين الناس والجهات المعنية.
الوجع هنا ليس في القانون ولا في المطالبة بالحقوق النظامية. الوجع في هذا الانفصال القاسي بين ما يعيشه الناس فعلاً وبين ما يبدو أنه يُدار في مكان آخر بمعايير لا تشبه حياتهم. لغة رسمية تتحدث عن الالتزام والسداد والغرامات، مقابل واقع يومي منهك لا يجد فيه المواطن ما يسد به رمق حياته، فضلاً عن أن يسد فاتورة صارت في كثير من الحالات تعادل شهراً كاملاً من العمل أو أكثر.
فكيف يُطلب من إنسان أن يوازن بين دواء طفله وفاتورة كهرباء؟ بين ربطة خبز وحق البقاء على الشبكة؟ كيف تتحول خدمة أساسية إلى عبء يهدد الاستقرار بدل أن يكون جزءاً منه؟
الأكثر إيلاماً أن كل هذا الصراخ الشعبي الموثق بالصوت والصورة، وكل هذا الاستياء الذي لا يحتاج إلى تفسير، لا ينعكس على قرارات تعيد التوازن. وكأن هناك حالة من الإصرار الرسمي على التعامل مع الأزمة من زاوية واحدة فقط: زاوية التحصيل والتشدد، دون الاقتراب الجدي من السؤال الأهم، وهو كيف أصبحت التعرفة أصلاً بهذا الشكل الذي يجعلها خارج قدرة شريحة واسعة من الناس.
إن الاستمرار بهذا النهج لا يعني سوى مزيد من الضغط على مجتمع منهك أصلاً، ومزيد من الاتساع في الفجوة بين الواقع المعيشي وبين القرار الإداري.
المشكلة لم تعد تقنية ولا مالية فقط، بل أصبحت سؤالاً عن العدالة ذاتها. لأن الخدمة حين تفقد قابلية الوصول إليها تتحول من حق عام إلى عبء ثقيل، وحين تصبح التعرفة منفصلة عن الدخل الحقيقي للناس فإنها تفقد معناها الاجتماعي قبل الاقتصادي. لذلك فإن إعادة النظر بالتعرفة لم تعد ترفاً ولا خياراً ثانوياً، بل ضرورة ملحة وعاجلة، يجب أن تُبنى على أساس القدرة الفعلية للناس، لا على أرقام مجردة تتجاهل واقعاً يزداد قسوة يوماً بعد يوم.
ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف حول فاتورة، بل هو احتقان متراكم ينذر باتساع الهوة أكثر. وكل يوم تأخير في مراجعة هذا الواقع، وكل إصرار على تجاهل صوت الناس أو الاكتفاء بسماعه دون الاستجابة له، لا ينتج إلا مزيداً من الغضب المكتوم ومزيداً من اليقين بأن الحياة تُدار بعيداً عن أصحابها الحقيقيين.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1278