قرار تسعير القمح لموسم 2026... أرقام تكشف أزمة تتجاوز الفلاح إلى الأمن الغذائي
أثار قرار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية رقم /194/ الخاص بتحديد سعر شراء القمح القاسي من الدرجة الأولى (مشول) لموسم عام 2026 موجة واسعة من الغضب والاستياء في الأوساط الزراعية والشعبية، بعدما حُدد سعر الطن الواحد بـ46 ألف ليرة سورية من العملة الجديدة، أي ما يعادل نحو 338 دولاراً أمريكياً وفق سعر صرف يقارب 13,600 ليرة للدولار حسب السوق الموازي.
ورغم تقديم القرار على أنه خطوة لدعم شراء المحصول الاستراتيجي الأهم في البلاد، إلا أن المزارعين اعتبروا أن السعر المعلن لا يعكس الواقع الحقيقي لتكاليف الإنتاج، ولا يوفر أي هامش أمان اقتصادي يسمح بالاستمرار في زراعة القمح في ظل الارتفاع الكبير بأسعار المحروقات والبذار والأسمدة وأجور الحصاد والنقل.
تكلفة الزراعة تلتهم قيمة المحصول
بحسب تقديرات متداولة بين مزارعين ومنتجين، فإن تكلفة زراعة الدونم الواحد من القمح المروي خلال الموسم الحالي تبلغ وسطياً: 25 دولاراً للحراثة- 25 دولاراً للحصاد- 25 دولاراً للبذار- 25 دولاراً للأسمدة- 15 دولاراً لمازوت الري- 15 دولاراً للمبيدات- 5 دولارات للنقل والأكياس.
أي إن التكلفة المباشرة للدونم الواحد تصل إلى نحو 135 دولاراً، دون احتساب تعب الفلاح الشخصي، أو أجور السقاية والمتابعة اليومية، أو المخاطر المناخية والزراعية، أو الخسائر الناتجة عن الحسم على الشوائب والرطوبة.
في المقابل، يتراوح متوسط إنتاج الدونم بين 350 و400 كيلوغرام، بحسب المنطقة وطبيعة الموسم الزراعي.
وباحتساب السعر الحكومي الجديد البالغ نحو 338 دولاراً للطن الواحد، فإن سعر الكيلوغرام الواحد لا يتجاوز 33,8 سنتاً أمريكياً. هذا يعني أن قيمة إنتاج الدونم تبلغ تقريباً: 118 دولاراً إذا كان الإنتاج 350 كيلوغراماً- 135 دولاراً إذا بلغ الإنتاج 400 كيلوغرام. مع العلم أن كلفة إنتاج القمح الحالية في سورية حسب التقديرات الأكاديمية هي على الشكل التالي:
البعل: 350 دولار
المروي عادي: 480 دولار
المروي آبار: 530 دولار
ما يعني أن السعر النهائي للمنتج ينبغي أن يكون مساويا لسعر التكلفة مضافاً إليه بين 50 و 75 دولاراً للطن كحد أدنى.
أي إن الفلاح، حتى في أفضل الحالات الإنتاجية تقريباً، يصل بالكاد إلى حدود تغطية التكلفة دون تحقيق أي ربح فعلي، بينما يتحول إلى الخسارة المباشرة في حال تراجع الإنتاج لأي سبب من الأسباب، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المزارع يتحمل كامل المخاطر الزراعية والمالية طوال الموسم.
ولا تتوقف المشكلة عند هذا الحد، إذ يشكو المزارعون أيضاً من التأخير الطويل في تسديد قيمة المحاصيل، حيث تمتد فترات الانتظار أحياناً إلى شهرين أو ثلاثة أشهر، ما يؤدي إلى تآكل إضافي في القيمة الفعلية للعائدات نتيجة التضخم المستمر وتقلبات سعر الصرف.
لماذا يطالب المزارعون بالتسعير بالدولار؟
يرى كثير من المنتجين أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بانخفاض السعر فقط، بل بآلية التسعير نفسها أيضاً.
فمعظم تكاليف الزراعة اليوم باتت مرتبطة فعلياً بالدولار الأمريكي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بدءاً من المحروقات والأسمدة والبذار، وصولاً إلى أجور النقل والحصاد والمبيدات.
أي إن الفلاح يدفع تكاليفه وفق أسعار محسوبة بالدولار، بينما يُطلب منه بيع محصوله بالليرة السورية، ثم الانتظار أشهراً للحصول على مستحقاته، في ظل سوق شديدة التقلب وانخفاض مستمر في القدرة الشرائية للعملة المحلية.
ولهذا، يطالب مزارعون وخبراء اقتصاديون بأن يتم تسعير القمح بالدولار الأمريكي، أو على الأقل وفق معادلة مرتبطة بسعر الصرف الحقيقي يوم التسليم، بما يحمي المنتج من الخسائر الناتجة عن التضخم وتذبذب العملة.
الأمن الغذائي ليس ملفاً تجارياً
تكمن خطورة هذا الملف في أن القمح لا يمثل مجرد محصول زراعي عادي، بل يعد الركيزة الأساسية للأمن الغذائي السوري.
فسورية التي كانت منذ عقود من الدول المنتجة والمصدّرة للقمح، تواجه اليوم تحديات متزايدة في الحفاظ على إنتاجها المحلي، وسط تراجع الدعم وارتفاع تكاليف الإنتاج وتضرر البنية الزراعية بفعل الحرب والجفاف والأزمات الاقتصادية المتلاحقة.
ويرى مختصون أن استمرار تسعير القمح عند مستويات لا تحقق جدوى اقتصادية سيقود تدريجياً إلى عزوف المزارعين عن زراعته، خصوصاً في المناطق المروية ذات التكاليف المرتفعة، واتجاههم نحو محاصيل بديلة أقل كلفة أو أكثر ربحية.
وهذا يعني عملياً تراجع المساحات المزروعة بالقمح، وزيادة الاعتماد على الاستيراد الخارجي لتأمين المادة الأساسية المرتبطة بالرغيف السوري، في وقت تعاني فيه البلاد أصلاً من هشاشة اقتصادية ومالية كبيرة.
غضب شعبي وتحذيرات من المستقبل
ردود الفعل التي أعقبت صدور القرار عكست حالة احتقان واسعة بين الفلاحين والأهالي، الذين رأوا في التسعيرة الجديدة استمراراً لسياسات تحميل المنتج كامل أعباء الأزمة الاقتصادية، دون توفير حماية حقيقية للقطاع الزراعي.
ويحذر كثيرون من أن تجاهل هذه الاعتراضات سيؤدي إلى نتائج خطِرة على المدى المتوسط، ليس على مستوى دخل الفلاحين فقط، بل على مستوى الأمن الغذائي الوطني برمته.
فالقمح السوري لم يكن يوماً مجرد سلعة تجارية، بل كان عنواناً للاستقرار والسيادة والاكتفاء الذاتي. وعندما تصبح زراعته مشروعاً خاسراً، فإن الخطر لا يهدد المزارع وحده، بل يطال قدرة البلاد بأكملها على حماية لقمة عيش مواطنيها في السنوات المقبلة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1278