المصارف العامة السورية على طاولة البيع... التفريط بالسيادة المالية تحت شعار «الإصلاح»
في الوقت الذي يعيش فيه السوريون واحدة من أقسى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في تاريخ البلاد، تبدو الحكومة ماضية بخطوات متسارعة نحو فتح ملف خصخصة المصارف العامة، ليس بوصفه خياراً اضطرارياً مؤقتاً، بل كجزء من توجه اقتصادي كامل يقوم على بيع الأصول العامة والتخلي التدريجي عن أدوات السيادة الاقتصادية للدولة.
الخطِر في الأمر أن ما يجري لا يُطرح للرأي العام باعتباره مشروع خصخصة واضحاً، بل يُقدّم تحت عناوين براقة من قبيل: «الإصلاح»، «التحديث»، «إعادة الهيكلة»، و«الاندماج بالنظام المالي العالمي». لكن خلف هذه المصطلحات تختبئ وصفات معروفة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، جُرّبت في عشرات الدول المنهكة اقتصادياً، وكانت نتيجتها غالباً:
بيع القطاع العام.
تفكيك الدولة الاجتماعية.
وتسليم القرار الاقتصادي للمؤسسات المالية الخارجية.
شركة أمريكية ترسم مستقبل المصارف السورية
أن تُسلّم عملية تقييم وإعادة رسم مستقبل المصارف الحكومية السورية لشركة أمريكية مثل Oliver Wyman، وبدعم من وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي، فهذه ليست مجرد مسألة تقنية أو استشارية عابرة، بل تحمل دلالات سياسية واقتصادية شديدة الخطورة.
فالشركة التي أنهت المرحلة الأولى من تقييم المصارف الحكومية الستة (التجاري السوري- العقاري- التسليف الشعبي- التوفير- الزراعي التعاوني- الصناعي)، لم تأتِ لتطوير خدمات المواطنين أو حماية القطاع العام، بل جاءت ضمن مشروع واضح لإعادة هندسة النظام المالي السوري وفق المعايير الليبرالية العالمية بنسختها التوحشية التي تقوم على:
تقليص دور الدولة.
تحويل المؤسسات العامة إلى شركات ربحية.
وفتح الباب أمام المستثمرين والبنوك الأجنبية.
وبحسب ما كشفته مصادر مصرفية، فإن السيناريوهات المطروحة تشمل:
تحويل المصارف العامة إلى شركات مساهمة.
خصخصتها بشكل كامل.
أو إدخال شركاء ومستثمرين أجانب وعرب إليها.
أي إن الحديث لم يعد عن «إصلاح إداري»، بل عن إعادة توزيع ملكية القطاع المصرفي نفسه.
من يملك المصارف يملك القرار الاقتصادي
المصارف العامة ليست مجرد أبنية وخزائن مالية، بل هي أحد أهم أدوات السيادة الوطنية. والدولة التي تفقد سيطرتها على قطاعها المصرفي تفقد عملياً قدرتها على:
توجيه الائتمان.
دعم الزراعة والصناعة.
حماية العملة.
التدخل بالأزمات.
وتمويل القطاعات الإنتاجية والخدمية.
لكن ما يجري اليوم يدفع باتجاه تحويل المصارف من مؤسسات وطنية ذات دور اقتصادي واجتماعي إلى كيانات تجارية خاضعة لمنطق الربح ومصالح المستثمرين.
فهل سيهتم مستثمر أجنبي بتمويل الفلاح السوري؟
وهل ستمنح البنوك «المخصخصة» قروضاً ميسرة للموظفين وأصحاب الدخل المحدود؟
وهل ستبقى الأولوية للإنتاج الوطني أم للمضاربات والأنشطة الأسرع ربحاً؟
التجارب العالمية تعطي جواباً واضحاً مفاده أنه عندما تدخل الخصخصة إلى القطاع المصرفي، يتراجع الدور التنموي والاجتماعي لصالح الربح السريع وخدمة رؤوس الأموال الكبرى.
وصفات صندوق النقد... الطريق نفسه الذي دمّر اقتصادات كثيرة
ما يحدث اليوم في سورية يعيد إنتاج السيناريو الكلاسيكي الذي فُرض على عشرات الدول المنهكة:
الحديث عن «أزمة قطاع عام».
تحميل المؤسسات العامة مسؤولية الانهيار.
إدخال شركات استشارية دولية.
إعادة الهيكلة.
تحويل المؤسسات إلى شركات مساهمة.
إدخال مستثمرين.
ثم البيع التدريجي للأصول العامة.
هذا النموذج لم يُنتج نهضة اقتصادية في معظم الدول التي طبقته، بل أدى إلى:
اتساع الفقر.
ارتفاع البطالة.
تركّز الثروة.
وانهيار الخدمات العامة.
ففي اليونان، أدت برامج «الإصلاح» المرتبطة بالمؤسسات الدولية إلى بيع أصول استراتيجية وخنق الاقتصاد بالتقشف.
وفي أوروبا الشرقية، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، انتهت الخصخصة المصرفية إلى هيمنة البنوك الغربية على القرار المالي المحلي.
أما في بعض دول أمريكا اللاتينية، فقد تحولت الخصخصة إلى باب واسع للفساد ونهب الأصول العامة بأسعار زهيدة.
أخطر ما في المشروع... بيع الأصول تحت ضغط الأزمة
الدول القوية قد تبيع أصولها لكنها تكون في موقع تفاوضي مريح.
أما الدول المنهكة والمأزومة، فعندما تبيع أصولها فإنها غالباً تفعل ذلك بأبخس الأثمان وتحت ضغط الحاجة والعقوبات والانهيار المالي.
وهنا تكمن الكارثة السورية المحتملة. فسورية اليوم تعاني من:
تراجع اقتصادي حاد.
انهيار القوة الشرائية.
ضعف الإنتاج.
تآكل العملة.
وعقوبات مستمرة وخانقة.
وفي مثل هذا الوضع، تصبح الخصخصة أقرب إلى «بيع اضطراري» لا إلى استثمار مدروس.
أي إن الدولة قد تجد نفسها تتخلى عن أحد أهم قطاعاتها السيادية مقابل سيولة مؤقتة أو وعود بالدعم الخارجي، بينما تنتقل السيطرة الفعلية لاحقاً إلى قوى مالية خارجية.
ماذا عن الموظفين والدور الاجتماعي؟
عادة ما تبدأ عمليات «الإصلاح المصرفي» بشعارات تطوير الكفاءة، لكنها تنتهي عملياً إلى:
تقليص العمالة.
إغلاق الفروع.
رفع الرسوم.
تشديد الإقراض.
وتحويل الخدمات إلى امتياز لمن يملك المال فقط.
والأخطر أن المصارف العامة السورية لم تكن مجرد مؤسسات تجارية، بل كانت تؤدي دوراً اجتماعياً مهماً على مستوى:
تمويل الفلاحين.
دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
منح قروض للموظفين والمتقاعدين وأصحاب الدخل المحدود.
وتمويل قطاعات لا يهتم بها رأس المال الخاص.
كل ذلك مهدد بالتآكل عندما يصبح معيار الربح هو الحاكم الوحيد.
«الإصلاح» الحقيقي لا يمر عبر بيع الدولة
لا أحد ينكر وجود فساد وترهل ومشكلات كبيرة داخل القطاع المصرفي السوري، لكن السؤال الحقيقي هو: هل يكون العلاج ببيع القطاع نفسه؟
وهل الحل في تسليم مستقبل المصارف لشركات أمريكية ومؤسسات مالية دولية لطالما دفعت دولاً عديدة نحو الخصخصة والتقشف؟
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من:
محاربة الفساد.
استعادة الأموال المنهوبة.
تحديث الإدارة.
تطوير التكنولوجيا.
محاسبة شبكات النفوذ.
وتحويل المصارف إلى أدوات تنمية وطنية حقيقية.
أما تحويل الأزمة إلى فرصة انتهازية واستغلالية لبيع ما تبقى من القطاع العام، فهو ليس إصلاحاً، بل انتقال من أزمة اقتصادية إلى تفريط طويل الأمد بالسيادة والقرار الوطني.
والمفارقة المؤلمة أن ذلك يحدث في لحظة تحتاج فيها سورية أكثر من أي وقت مضى إلى اقتصاد مُنتج قوي ودولة قوية وقادرة على حماية مجتمعها، لا إلى مزيد من الارتهان للمؤسسات المالية الدولية سيئة الصيت والممارسة ووصفات الخصخصة الجاهزة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1278