خلال أسبوع واحد... ارتفاع جديد للمحروقات يسرّع سحق القدرة الشرائية
خلال أقل من أسبوع واحد فقط، عادت أسعار المحروقات في سورية للارتفاع مجدداً، في مشهد بات يتكرر بصورة شبه يومية، وكأن السوريين لم يعد ينقصهم سوى المزيد من الضغوط والانهيارات المعيشية. ففي 7 أيار 2026 تم اعتماد سعر صرف قدره 13,300 ليرة للدولار في تسعير المشتقات النفطية، قبل أن تصدر نشرة جديدة بتاريخ 13 أيار ترفع السعر المعتمد إلى 13,600 ليرة، أي بزيادة 300 ليرة خلال ستة أيام فقط، لتنعكس فوراً على أسعار البنزين والمازوت والغاز، بينما يبقى دخل المواطن ثابتاً أو متآكلاً أصلاً تحت وطأة الغلاء والانهيار الاقتصادي.
الزيادة الجديدة لم تكن مجرد أرقام تقنية في نشرة رسمية، بل حلقة إضافية في مسلسل استنزاف الناس، حيث ارتفع سعر المازوت إلى 11,968 ليرة، والبنزين 90 إلى 14,960 ليرة، والبنزين 95 إلى 15,640 ليرة، بينما وصلت أسطوانة الغاز المنزلي إلى 170 ألف ليرة، والصناعي إلى 272 ألفاً، بنسبة زيادة موحدة بلغت نحو 2,26%. لكنها في الواقع زيادة أكبر بكثير مما تظهره النسب، لأن المحروقات لم تعد مجرد مادة استهلاكية، بل أصبحت العمود الفقري لكل شيء؛ النقل، الخبز، الزراعة، الصناعة، الكهرباء، وحتى سعر ربطة الخضار التي تصل إلى الأسواق.
الأخطر من ذلك أن المشتقات النفطية أصبحت اليوم معوّمة بالكامل تقريباً، أي إن تسعيرها بات مرتبطاً مباشرة بالدولار، ولم يعد هناك أي هامش حقيقي لحماية الناس من تقلبات سعر الصرف أو انهيار الليرة. فالمواطن السوري بات يدفع ثمن كل اهتزاز نقدي بشكل مباشر وفوري، بينما تُنقل أعباء السوق والخزينة وتمويل الاستيراد بالكامل تقريباً إلى جيوب المنهكين أصلاً من الفقر والجوع والبطالة.
ما يحدث اليوم يكشف بوضوح أن المحروقات تحولت إلى مؤشر مالي واقتصادي حساس يعكس عمق الأزمة النقدية في البلاد. فعندما تتغير نشرات الأسعار بهذه السرعة، فهذا لا يعني تعديل سعر مادة معينة فقط، بل يعني أن الليرة تواصل فقدان قيمتها بوتيرة متسارعة، وأن الجهات المعنية لم تعد قادرة حتى على تثبيت التسعير لأيام قليلة. كل نشرة جديدة تبدو وكأنها إعلان غير مباشر عن ضعف إضافي في العملة المحلية، وعن عجز أكبر في مواجهة التدهور الاقتصادي.
لكن الكارثة الحقيقية لا تقف عند سعر البنزين أو الغاز بحد ذاته، بل في السلسلة الطويلة من الانعكاسات التي يدفع ثمنها الناس. فبمجرد ارتفاع المحروقات ترتفع أجور النقل فوراً، ثم ترتفع أسعار المواد الغذائية، ثم تكاليف الإنتاج والشحن والتدفئة والكهرباء الخاصة، لتتحول الحياة اليومية إلى عبء ثقيل لا يحتمله معظم السوريين. والأسوأ أن الأسواق لم تعد تنتظر ارتفاع التكلفة الفعلية، بل باتت ترفع أسعارها استباقياً خوفاً من نشرات جديدة قادمة، ما يخلق موجات متلاحقة من التضخم تأكل ما تبقى من القدرة الشرائية.
وفي بلد يعيش فيه ملايين السوريين تحت خط الفقر، تصبح أي زيادة-حتى لو بدت صغيرة على الورق- ضربة مباشرة للفئات الأكثر هشاشة، أولئك الذين يقتطعون احتياجاتهم الأساسية يوماً بعد يوم، ويواجهون خياراً قاسياً بين الطعام أو التدفئة أو المواصلات. فبينما تتوسع الهوة بين الأسعار والدخول بصورة مرعبة، يتحول الجزء الأكبر من المجتمع إلى كتلة من المفقرين والمعترين الذين يدفعون وحدهم فاتورة الانهيار، دون أي حماية حقيقية أو قدرة على التكيف مع هذا النزيف المستمر.
إن أخطر ما في المشهد ليس ارتفاع الأسعار فقط، بل اعتياد الناس القسري على الانهيار، وتحول نشرات المحروقات إلى مؤشر دائم على المزيد من التراجع في قيمة الليرة والمزيد من التدهور في مستوى المعيشة. فكل زيادة جديدة لا تعني مجرد أرقام أعلى، بل تعني حياة أكثر قسوة، وفقراً أعمق، ومسافة أكبر بين السوريين والحد الأدنى من العيش الكريم.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1278