صندوق التنمية السوري... هل تكفي النوايا لتأهيل البنى التحتية؟
يحاول صندوق التنمية السوري، المُحدث بموجب مرسوم رئاسي في العام 2025، أن يكون نافذة لتمويل مشاريع «إعادة الإعمار». لكن تقريره الربعي الأول لعام 2026، يكشف عن هشاشة نموذج يعتمد على التبرعات والمنح الخارجية.
فقد سجّل التقرير تبرعات وتعهدات بلغت 83 مليون دولاراً، في حين لم تتجاوز التحصيلات الفعلية منها حتى 31 آذار 41 مليون، أي بنسبة تحصيل 46%.
وتشير هذه الأرقام إلى وجود عجز هيكلي؛ فأكثر من نصف المبالغ المتعهد بها لا تزال حبيسة الوعود. وتعتمد تغذية الصندوق بشكل شبه كلي على عدد محدود من كبار المتبرعين، وعلى رأسهم عائلة الخياط التي تعهدت بمبلغ 25 مليون دولار، ما يجعل استدامة التمويل رهينة «بحسن نية» أفراد وجهات قليلة.
أما التعهدات العالقة، ومنها 20 مليون دولار من مزاد سيارات النظام البائد، فتبقى أرقاماً بلا آليات واضحة للتحصيل، ما يطرح علامات استفهام حول مدى جدية تحويل هذه الالتزامات إلى سيولة فعلية.
شراكات دولية
يعقد الصندوق آمالاً كبيرة على الشراكات مع مؤسسات دولية مثل البنك الدولي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والوكالة الألمانية للتعاون الدولي.
لكن تجارب دول أخرى ومجاورة تؤكد أن هذه الشراكات ليست مجرد قنوات تمويلية؛ فهي تأتي بحزمة متكاملة من الشروط السياسية والاقتصادية.
فالتعاون مع البنك الدولي يعني عادة فرض سياسات تقشف مالي على حساب شبكات الأمان الاجتماعي، وخصخصة القطاعات الحيوية، وخفض الدعم الحكومي. وفي بلد مثل سورية، يعيش أكثر من 80% من سكانه تحت خط الفقر (وفق تقرير الصندوق) وتتجاوز البطالة بين الشباب 60%، فإن تطبيق هذه السياسات يعني انفجاراً اجتماعياً.
كما يعني أيضاً تجريد الدولة من دورها التنموي وتحويلها إلى حارس لأجندات «السوق الحر»، وعوضاً أن يكون الصندوق أداة «تحرر اقتصادي» – كما يُروّج– يتحول إلى بوابة للتبعية عبر قروض وشروط تقوّض ما تبقى من سيادة.
وتتحول الأولويات، كالصناعة والزراعة، إلى أهداف متغيرة وفقاً لأجندات الجهات المانحة.
فيما يكمن الخطر بتحول التبرعات والمنح الدولية إلى بديل عن السياسات العامة، حيث تتراجع الدولة عن مسؤولياتها في الصحة والتعليم والبنية التحتية، وتتركها لصناديق مؤقتة غير قادرة على التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد.
ثغرة الشفافية
يغيب عن التقرير أي بند يتعلق بتكاليف البنية الإدارية والهيكلية. ففي الوقت الذي يؤكد فيه الصندوق تطوير منظومة حوكمة واعتماد سياسات مالية، لا توجد أي أرقام حول تكاليف مرحلة التصميم والتخطيط المؤسسي؛ ورواتب العاملين ونفقات التوظيف؛ وتكاليف البنية التحتية الإدارية؛ والمصاريف التشغيلية الروتينية.
من أين إذاً تم تمويل هذه التكاليف؟ هل جرى خصمها من حصيلة المبالغ المحصّلة؟
أي صندوق تنموي يدعي الشفافية ملزم بنشر نسبة المصاريف الإدارية إلى إجمالي التبرعات، ومقارنتها بالمعايير الدولية (التي تتراوح عادة بين 15 إلى 20%). غياب هذه البيانات تجعل من المستحيل على المواطنين وحتى المانحين تقييم كفاءة الصندوق، ويفتح الباب أمام احتمالات هدر الموارد أو سوء الإدارة.
كما يخلو التقرير من أي إشارة إلى شركة التدقيق الخارجي المستقلة، وطبيعة مهامها، وما إذا كانت نتائج تدقيقها ستُنشر علناً.
الرهان الحقيقي
أي تنمية في سورية أو «إعادة إعمار»، لا يمكن أن تتحقق عبر التبرعات والمنح، بل تحتاج إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة قدرتها على التخطيط، وإعادة بناء القطاعين الصناعي والزراعي ليكونا قاطرة التنمية الحقيقية.
ما عدا ذلك، ستبقى سورية رهينة الوعود المتعثرة، والشروط الثقيلة، والتقارير شبه الشفافة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1278
فرح شرف