واقع اللحوم في سورية... انخفاض وهمي وارتفاع قاتل؛ من يحمي المواطن؟
نور الإبراهيم نور الإبراهيم

واقع اللحوم في سورية... انخفاض وهمي وارتفاع قاتل؛ من يحمي المواطن؟

يواصل المواطن السوري دفع ثمن سياسات متناقضة تطال أدق تفاصيل حياته، ولا سيما ما يتعلق بأمنه الغذائي.

فبينما ترتفع أسعار المواد الغذائية، انقلبت المعادلة رأساً على عقب في قطاع الدواجن، حيث كسر الفروج القاعدة وهبطت أسعاره بشكل مفاجئ.
لكن هذه الابتسامة العابرة على وجه المستهلك سرعان ما ستتحول إلى غضب حين تتبدى الخلفيات الكارثية لهذا الهبوط، وحين يتجه النظر نحو قطاع اللحوم الذي قفزت أسعاره إلى عنان السماء.
فما يجري في أسواق اللحوم اليوم هو جريمة اقتصادية مكتملة الأركان، يدفع فاتورتها المواطن من جيبه، بينما يتخبط المنتج المحلي بين فكي الاستيراد الجائر من جهة، والتصدير الهدّام من جهة أخرى، وسط غياب تام للرقابة وانتشار مخيف لعمليات الغش.


انخفاض يخفي انتحاراً اقتصادياً


يتراوح سعر كيلو شرحات الفروج اليوم بين 42 و45 ألف، والكستا بين 30 و32 ألف، والدبوس بين 24 و26 ألف، أما الفروج الحي فسعره بين 25 و27 ألف ليرة. هذا الانخفاض الذي قابله المستهلك بفرحة عابرة، كان في الحقيقة صفعة مدوية على وجه المربي الذي يبيع كيلو الفروج الحي اليوم بـ 18 ألف ليرة، وهو رقم لا يغطي ثمن العلف والتدفئة.
فارتفاع الأسعار خلال شهر رمضان دفع المربين إلى تكثيف التربية، وضخ كميات قياسية من الفروج في الأسواق، ما أحدث فائضاً في العرض. لكن الفاجعة كانت فتح الباب أمام استيراد الفروج التركي في توقيت الذروة الإنتاجية.
هذه السياسة التدميرية– سواء كانت مقصودة أم لا– لا تغير النتيجة... خروج المنتج الوطني من السوق نهائياً. ما يعني أن المواطن سيواجه أزمة توفر وأسعاراً لاهبة.


جنون الأسعار


أما أسعار اللحوم فقد سجلت ارتفاعات قياسية، حيث يتراوح سعر كيلو الخروف الحي بين 50 و55 ألف ليرة. والأسباب معروفة؛ تراجع أعداد القطعان، وزيادة الطلب، وارتفاع تكاليف الأعلاف والنقل، وأخطرها عمليات التصدير والتهريب التي تدمر الثروة الحيوانية.
ما يجعل من فرحة المواطن بانخفاض أسعار الفروج تتبخر حالما يلتفت إلى سعر اللحوم الحمراء.
الغش!
الأخطر من ارتفاع الأسعار وانخفاضها هو ما يحدث تحت الطاولة من عمليات غش وتلاعب لا يعرف عنها المستهلك شيئاً.
ففي ظل غياب الرقابة تحولت أسواق اللحوم والدواجن إلى ساحات لخلط المستورد بالمحلي، وبيع لحوم مجهولة المصدر، ولحوم أغنام وطيور مريضة، ناهيك عن التلاعب بالأوزان والتواريخ.
وقد رصدت تقارير غير رسمية استخدام مواد ملونة ومطريات لتحسين مظهر اللحم الفاسد، أو حقن اللحم بالماء لزيادة الوزن. ونتيجة غياب المختبرات الرسمية، يبقى المستهلك فريسة سهلة لعصابات تعبث بصحته وتستنزف أمواله.


مأزق السياسات


قطاع الدواجن يصرخ «أوقفوا الاستيراد»، وقطاع الثروة الحيوانية يطالب «بإيقاف التصدير». أما المواطن الذي يتعرض للغش ويدفع أسعار خيالية هو الخاسر الأكبر.
فإغراق السوق بالدجاج المستورد في ذروة الإنتاج المحلي، وتصدير المواشي في وقت تعاني الأسواق من شح حاد، ليسا إلا وجهين لعملة واحدة؛ سياسة لا ترى أبعد من أنفها؛ تقدم مكاسب لحظية للبعض، مستوردين ومصدرين، على حساب الأمن الغذائي الاستراتيجي.
وإذا خسر المربي اليوم وخرج من السوق، فلن يجد المستهلك غداً إلا لحوماً مستوردة بأسعار مضاعفة، أو سوقاً سوداء لا ضابط لها.
لا يحتاج المواطن اليوم إلى من يبارك له انخفاض الفروج ثم يتركه فريسة لارتفاع أسعار اللحوم والغش. ما يحتاجه هو سياسة متكاملة تحمي المنتج المحلي، وتضبط الاستيراد، وتمنع التصدير العشوائي والتهريب، وتعيد تفعيل الرقابة.
المطلوب وقفة جادة قبل أن يتحول قطاع الثروة الحيوانية والدواجن إلى جثة هامدة، وعندها لن ينفع الندم. المستهلك يتضرر اليوم، والمنتج المحلي يموت غداً، وسورية كلها ستدفع الثمن.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1276