منصة لتنظيم سعر الصرف... خطوة تقنية في محيط من الانهيارات
يمثل ما يقدمه مصرف سورية المركزي من مشروع منصة إلكترونية لتنظيم سوق الصرف اعترافاً ضمنياً بفشل آليات الرقابة التقليدية في ضبط سوق القطع، وخطوة نحو تحديث الأدوات النقدية.
وبعيداً عن التشاؤم المطلق، أو التفاؤل الإعلامي الذي عبّر عنه حاكم مصرف سورية المركزي في لقاء مع «الشرق» على هامش اجتماعات صندوق النقد الدولي، في 17 نيسان، بقوله إن المصرف حقق «استقراراً نقدياً بجدارة»!
يبقى السؤال الرئيسي: هل ستنجح هذه المنصة في بلد يعاني من تذبذب دائم في أسعار الصرف، وسيطرة شبكات السوق السوداء على القطع الأجنبي، وانهيار غير مسبوق في القدرة الشرائية للغالبية من السوريين؟
بين النظرية والتطبيق
هناك تباين صارخ بين السعر الرسمي للدولار، المستقر عند عتبة 11 ألف ليرة، والسعر الموازي الذي تجاوزه بنسبة تتراوح بين 15 و20%.
وهذا الفارق أصبح مصدر تشوه، من الصعب معالجته بمنصة تقنية فقط. فهو يفتح الباب على مصراعيه للمضاربة، ويضعف الثقة بالليرة السورية، ويبقي جزءاً كبيراً من النشاط التجاري خارج الإطار الرسمي، ما يحرم خزينة الدولة من عائدات بمليارات الليرات.
فقد تنجح المنصة في توحيد السعر داخل القطاع المصرفي الرسمي، لكنها لن تستطيع بمفردها القضاء على السوق السوداء. فشبكات الصرافة غير الرسمية لن تختفي طالما أن الفرق السعري سيظل مجزياً.
شراكة دولية
وفقاً لتصريحات حاكم المركزي، هناك شراكة دولية، لكن لم يُكشف عن هويتها بعد أو نطاق صلاحياتها، وهنا يبرز سؤال جوهري: هل ستقتصر مهمة «الشريك» على الجوانب التقنية والتدريبية، أم سيمتد دوره إلى صنع القرار في التسعير وتوزيع السيولة؟
فتجارب دول مجاورة مثل لبنان والعراق، تؤكد ضرورة بقاء السيادة النقدية بيد المصرف المركزي، وتثبت عجز المنصات وحدها على امتصاص السوق الموازية أو هدر المال العام.
متطلبات النجاح ليست تقنية فقط
إن نجاح المنصة مرهون بتوفر سيولة كافية بالعملة الصعبة، وما لم تكن خزائن المركزي تمتلك ما يكفي، فستتحول إلى واجهة رمزية، وقد تزيد الطلب على السوق السوداء بدلاً من تقليصه.
بالمقابل لا يمكن فصل سعر الصرف عن واقع الإنتاج. فسورية تستورد اليوم ما لا يقل عن 80% من احتياجاتها، بينما تعاني الصادرات والصناعة من تراجع حاد؛ هذا الخلل الذي يخلق ضغطاً دائماً على الليرة، لا يمكن لمنصة أن تحله.
كما أن الثقة بين المواطن والدولة، وبين التاجر والمركزي، لا تُبنى بقرار أو منصة، بل بتراكم تجارب إيجابية طويلة الأمد. وهي في سورية اليوم في أدنى مستوياتها.
خطوة ضرورية لكنها غير كافية
إن فكرة المنصة قد تبدو ضرورية لتنظيم سوق الصرف، ومن المفترض أن تكون جميع المعاملات المالية مرتبطة بها عبر المصرف المركزي. لكنها ليست «حلاً سحرياً» للأزمة النقدية.
كما لا يمكن النظر إلى المنصة بمعزل عن الأرقام الاجتماعية الكارثية، التي يعلو صوتها فوق تصريح الحاكم بتحقيق «استقرار نقدي بجدارة». فهي لن تنتشل 95% من السوريين من تحت خط الفقر، ولن تبدد 60% من البطالة.
الرهان الحقيقي ليس على المنصة، بل على إذا ما كانت جزءاً من استراتيجية وطنية شاملة للتغيير الاقتصادي، أم مجرد تحسين شكلي يرضي «الشركاء» الدوليين من دون تغيير جذري في النموذج الاقتصادي القائم.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1275
سارة جمال