المعلمون... الشريحة الأكثر تعرضاً للظلم والإنهاك
خالد جمال خالد جمال

المعلمون... الشريحة الأكثر تعرضاً للظلم والإنهاك

تعرض النظام التربوي والتعليمي في زمن السلطة الساقطة في الآونة الأخيرة للتخريب والإهمال، والذي طال مختلف مناحيه من المناهج إلى الامتحانات إلى المخرجات وطريقة تحصيل الطالب للدرجات...إلخ، وازداد الأمر سوءاً في زمن السلطة الحالية إلى أن وصل إلى درجة خروج التعليم عن الخدمة في إدلب، بسب إضراب المعلمين عن الدوام الرسمي نتيجة تعرضهم للظلم الواضح والجلي وسوء الأحوال المعيشية وضآلة الأجور وسوء ظروف العمل.

ماذا حل بالمعلمين


بعد سقوط السلطة السابقة
تعرض الكثير منهم للفصل التعسفي وبطرق غير قانونية ومن دون استناد إلى قوانين ثابتة ناتجة عن دستور، وشريحة من المعلمين متعاقدون لم يتم تجديد عقودهم، ومنهم مهددون بعدم تجديد عقودهم دون أي توضيح، أما المثبتون فوقعوا تحت الضغوط منها المتعمد ومنها غير المتعمد والناتج عن سوء الإدارة والعشوائية فيها، والتي تعتبر امتداداً للسياسات التخريبية الممنهجة للسلطة الساقطة.


أجر لا يكافئ عُشر العمل


إن ما يتقاضاه المعلم المثبت أو غيره وسطياً لا يتعدى مليون ونصف ليرة سورية والذي لا يكفي الأسرة السورية أربعة أيام فقط حسب تكايف المعيشة، فكيف إذا علمنا أن المعلم يقوم بوظيفتين في آن معاً؟ نعم الناس لا يعرفون غير أن المعلم يقف في صفه ليعطي درسه ويخرج بمخرج تعليمي في كل حصة أما الحقيقة فغير ذلك على الإطلاق.
لقد حولت وزارة التربية المعلم إلى إداري، مرشد نفسي، مدوّن، مصحح أوراق، كاتب ومنضد، محقق، مستخدم، من خلال عشوائيتها في تنظيم مهام كادر التربية وسوء بيئة العمل.


ماذا تطلب الوزارة من المعلم؟


في الآونة الأخيرة فعّلت وزارة التربية الكثير من القوانين السابقة وأضافت أعمالاً أخرى لا تمت إلى التعليم بصلة وأصبحت المحاسبة عليها كالمحاسبة على إعطاء الدرس نفسه.
1_ يطلب من المعلم خلال الحصة الدرسية إجراء تفقد «وبدقة» والتوقيع عليه وفي كل حصة درسية
2_ التوقيع على دفتر الحصص مع اسم الدرس والدرس المراجع ويحاسب على كل حصة لم يوقعها ويمنع منعا باتاً نسيانها أو تجاوزها.
3_ كتابة أسئلة كل امتحان ومذاكرة في الفصلين نموذجين لكل مذاكرة وامتحان أي 4 نماذج في الفصل.
4 كتابة سلالم تصحيح للأسئلة أي 4 سلالم في كل فصل.
5_تصحيح الأوراق وإنجازها في فترة محدودة لا تتعدى الأسبوعين «مئات الأوراق قد تصل إلى الآلاف لبعض المواد وحسب عدد الطلاب في الشعب وعدد الشعب المكلف بها المدرس»
6_ كتابة النتائج مع درجات الشفهي والوظائف والنشاط ثم جمعها وتنتيجها رقماً وكتابة في الفترة نفسها.
7_ تدوينها في دفتر الدرجات الخاص بالمعلم رقما وكتابة.
8_ تنزيل الدرجات على تطبيق المدرس، وقد جرى تفعيله في الفصل الأول.
9_ ملء دفتر التحضير لكل درس مؤرخاً بدقة «المعلومات المدونة فيه لا تخص المادة العلمية بل تخص المهارات التي يستخدمها المعلم والتي أصبحت ضمن شخصيته» إضافة إلى مشاهدتها من قبل المدير أسبوعياً.
كل هذه القائمة من الواجبات الملقاة على عاتق المعلم هي خارج عمله التعليمي في الصف فالمعلم يقوم بأكثر من وظيفة خلال البيت والمدرسة.
كما يجري وخلافاً للقانون إلزام الموجهين الاختصاصين لمدرسيهم بإعطاء حصص إضافية فوق نصابهم «مؤجلة الأجر إلى أجل غير قريب» وبعد كل هذا لا ينال المعلم أجر جزء واحد من هذه الأعباء في هذه القائمة المنهِكة.
أما تكاليف المراقبة والتصحيح فالحديث فيها يطول... يكفي أن أجورها مؤجلة إلى أكثر من 7 أشهر مع صعوبة المهمة للمصحح ورئيس المركز وأمين السر والمراقب، مع غياب التنظيم الكافي والشفافية فيه فقد يكلف المعلم بالمراقبة في أماكن بعيدة عن سكنة عشرات الكيلومترات مع صعوبة النقل، ثم يطلب منه عدم التأخر! بالإضافة إلى الجهد الكبير المبذول مقابل أجور لا تكفي إلا لأجور المواصلات.


إذا لم ترضَ فالعقوبات لك بالمرصاد


ليس هناك شيء أسهل على وزارة التربية والتعليم من التهديد والوعيد وتنفيذه في حق المقصرين في أصغر بند من الواجبات التي ألقوها على كاهله، متجاهلين أي عذر أو حاجة للمعلم... فترى جهاز الرقابة الداخلية له بالمرصاد لفرض العقوبات التي يرونها مناسبة ويرونها مخالفة للنظام التربوي... متجاهلين أن هذه الأعباء قد يعجز عنها الكثير من المعلمين ممن يعملون عملاً آخر ليسدوا رمقهم ورمق أسرهم من العوز والفاقة.


طبيعة التعليم في سورية في أشد المراحل تعقيداً


اختلف التعليم كثيراً في الأعوام الأخيرة عن سابقتها، فقد نشأ جيل تربى في ظروف كارثية من العنف والفقر وانهيار القانون والأخلاق والقيم والعلوم والبنية الاجتماعية، فأصبح المعلم يجد نفسه بين مجموعة من المراهقين أو الأطفال غير الأسوياء نفسياً وسلوكياً فقد يتعرض المدرس نفسه للإزعاج الشديد وقلة الانضباط بشكل يرهق أعصابه إلى حد المرض، وقد يتعرض إلى العنف وسوء الاحترام، ويواجه جبلا من الجهل والتخلف والتهديدات الاجتماعية، حتى في كثير من الأحيان تتعرض الإدارات والموجهون للعنف من قبل الأهالي غير المبرر دون أدنى حماية من قبل جهاز الدولة، ففي هذه المهمة الميدانية وحدها بمعزل عن العمل الورقي والكتابي، تجد أنها أصعب عمل على الإطلاق لأنك تنجز التعامل مع 45 طالباً تقريباً في وقت واحد ودفعة واحدة بما لا يتجاوز 40 دقيقة دون أخطاء أو انفعال ومع تحمل الاستفزاز والتهور والشغب وسوء التربية.


المعلم يجب ألا يتغيب مهما كانت الظروف


من العجيب والمعيب أنه لا يسمح للمعلم بالتغيب إلا ضمن إحالة صحية تصدق من قبل الصحة المدرسية! ولا يجب أن يتعرض لظروف طارئة تمنعه من الدوام، ويسمح له ذلك ضمن حصص محدودة في كل فصل، كل حصة على حدة أي لا نظام إجازات له. وفي حال تغيبه يرفع غيابه إلى جهاز الرقابة الداخلية!
أما عن إجراءات إعادة هيبة المعلم، وفرض قوانين رادعة للطلاب والأهالي لحمايتهم، فهو ما لم يحدث ولم تستجب له الوزارة ولا النقابة إلى حينة.
وخاتمة القول: إن التعليم الذي هو عماد المجتمع ونهضته سيذبح على مذبح الإهمال الحكومي وعلى مذبح الظلم الذي يتعرض له المعلمون طالما بقي المعلم تحت وطأة هذه المعاناة دون إنصافه.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1274