حوكمة ذكية... حكومة «فيسبوكية»!
سارة جمال سارة جمال

حوكمة ذكية... حكومة «فيسبوكية»!

تبرز في سورية تجربة فريدة من نوعها لا تحتاج إلى ميزانيات ضخمة ولا كوادر تقنية متخصصة.

فكل ما تحتاجه الحكومة هو مدير صفحة على «فيسبوك» يتقن فن النشر، وقناة «تلغرام» لا تتطلب أكثر من زر «إرسال»، ومواطن يملك هاتفاً وبيانات إنترنت كافية– إن أمكن– ليبقى على اطلاع دائم بما يصدر من قرارات.
وقد وصلنا– على ما يبدو– إلى مرحلة متقدمة من الإبداع الإداري؛ نموذج حوكمة لا يعترف بالأوراق الرسمية، ولا بالإشعارات القانونية، ولا بالبريد الإلكتروني الموثّق. كل ما هو رسمي يُختصر في «منشور»، وكل ما هو ملزم يُختزل في «تعليق».
حيث لا حاجة إلى موظفين، «مشرفين» فقط ومتطوعين يردون على التعليقات.


خدمة مجانية


من نافلة القول إن هذه الطريقة توفر على الحكومة عناء بناء أنظمة إلكترونية حقيقية. لماذا تنفق الملايين على تطوير تطبيق حكومي موحد، بينما يمكنك أن تنشر جدولاً زمنياً للمستحقات المالية مثلاً في «غروب تلغرام»؟ لماذا تتكبد تكلفة إرسال رسائل نصية للمواطنين، والإعلان على «فيسبوك» مجاني؟
فالمواطن لم يعد ينتظر فاتورة أو إشعاراً رسمياً، وكل ما يلزمه هو «متابعة» الصفحة، وتفعيل زر الإشعارات.


شفافية أم تفريغ للعمل الحكومي من مضمونه؟


تدّعي هذه الطريقة أنها تضفي شفافية على العمل الحكومي؛ فما أجمل أن تعلن مؤسسة الإسكان مثلاً عن تخصيص مساكن عبر منشور!
ويبدو أن طريقة الإدارة هذه لاقت رواجاً حتى لدى بعض المدارس؛ فقد قامت إحدى المدارس الخاصة في دمشق بنشر استدعاء ولي أمر طالب في الصف السادس الابتدائي عبر صفحتها على «فيسبوك»!
لكن هذا النموذج الهزلي في شكله، المأساوي في آثاره، يعكس أزمة غياب التخطيط؛ فالوزير الذي ينشر صور افتتاح مشروع يحصد آلاف التفاعلات، بينما تُهمل التفاصيل.
وعندما تنشر الوزارة خبراً على «فيسبوك»، فإنها تعتبر أن واجبها انتهى. ولو ضاع الخبر أو لم يره أحد، فالخطأ على المواطن الذي لم يتابع الصفحة. وهذا تحويل مثالي للمسؤولية من المؤسسة إلى الفرد.
كما تحولت الوزارات والمؤسسات إلى صفحات «تفاعلية» عن «جهود الحكومة» و«إنجازات الأسبوع» و«تفقد سير العمل».
لكن لا خطط، لا ميزانيات واضحة، لا تقارير أداء. «لايكات» فقط!


سخرية مرّة!


لا يحتاج المواطن إلى «منشور» ليعرف حقوقه وواجباته، بل يحتاج إلى بوابة إلكترونية موحدة، وإشعارات قانونية ملزمة، واحترام خصوصيته وكرامته.
أما أن تصبح أسماء المواطنين «ترند» على «فيسبوك»، وأن ينتظر المواطن القرارات الهامة كمن ينتظر اليانصيب، فهذا ليس تحولاً رقمياً، بل «كاريكاتير إداري»، يدفع ثمنه المواطن أولاً، والخدمات العامة ثانياً، وأخيراً مصداقية الدولة ذاتها.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1274