كيف يتحول «التبادل التجاري» إلى تدمير ممنهج للصناعة واستنزاف للجيوب؟
بينما يتسابق المسؤولون للحديث عن «قفزات تاريخية» في حجم التبادل التجاري بين سورية وتركيا وسورية والأردن، يرزح المواطن السوري تحت وطأة فقر مدقع، وتنهار أمامه صناعة كانت يوماً عموداً فقرياً للاقتصاد، وتتسرب السيولة النقدية من جيوبه الفارغة إلى أسواق الجيران.
فما معنى أن يعلن وزير التجارة التركي عمر بولاط عن حجم تبادل تجاري بلغ 3,7 مليار دولار عام 2025، ويتطلع إلى رفعه إلى 5 ثم إلى 10 مليارات دولار، بينما يعجز حاكم مصرف سورية المركزي عن ذكر أي رقم للصادرات السورية إلى تركيا؟!
وما مغزى أن تسجل الصادرات التركية إلى سورية ارتفاعاً بنسبة 69% خلال عام واحد، وتتجاوز في أول شهرين من العام الجاري 666,7 مليون دولار، بحسب وكالة «الأناضول»، وفي الوقت نفسه تفرض الحكومة الأردنية رسوماً جمركية تصل إلى 100% على بعض المنتجات السورية «لحماية المنتج الأردني!»
هل هذا «تبادل تجاري» أم «غزو تجاري»؟ وهل هذه «شراكة اقتصادية» أم «تبعية مقنّعة» تدفع فاتورتها الصناعة الوطنية والمواطن الذي لم يعد يملك قوت يومه؟
فما يحدث هو أشبه بنهر متدفق من البضائع إلى الأسواق السورية، مقابل قطرة من الصادرات السورية، أغلبها مواد أولية أو منتجات زراعية محدودة.
بيان غرفة صناعة دمشق
في 13 نيسان، وفي بيان حمل عنوان «الصناعة... هوية وطن»، حصلت قاسيون على نسخة منه، قالت غرفة صناعة دمشق وريفها كلمات لا تحتمل التأويل.
فقد أكد البيان على ما تواجهه الصناعة من «منافسة غير متكافئة في ظل سياسة السوق المفتوح»، بسبب غياب «التمكين والرعاية اللازمة، بالإضافة إلى الارتفاع الكبير في تكاليف مدخلات الإنتاج، على رأسها الكهرباء والمحروقات والمواد الأولية، ما أدى إلى خروج المنتج السوري من المنافسة المحلية والخارجية».
وكأن البيان يقول: «الصناعة السورية تحتضر، والسياسات الحالية تسرع من وفاتها!»
خروج المنتج السوري
الحديث عن خروج المنتج السوري من المنافسة هو عبارة لطيفة لواقع شديد القتامة، لما يترتب عليه من إغلاق آلاف المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي توفر سُبل عيش مئات آلاف السوريين.
وتحوّل السوق المحلية إلى ساحة استعراض للبضائع المستوردة والمهربة، وفقدان آلاف الوظائف في قطاع يشغّل اليد العاملة، وتحويل سورية من دولة منتجة إلى دولة مستهلكة بالكامل.
المواطن السوري
يدفع السوريون، الذي يعيش أكثر من 95% منهم تحت خط الفقر، فاتورة هذه السياسات مرتين؛ الأولى بارتفاع أسعار السلع الأساسية، والثانية بفقدان فرص العمل.
وأمام هذا المشهد الكئيب، هناك من يحتفل «بنصر اقتصادي»، ويعلن عن ارتفاع «التبادل» التجاري، وطموحات بالمليارات، بينما الصناعة تموت والمواطن يجوع!
والواقع يقول إن فتح الأسواق السورية من دون أي حماية، هو انتحار اقتصادي؛ ليس نصراً، ولا حتى «تعاوناً».
إلى أين؟
النموذج الذي «تحتفي» به الحكومة هو نموذج تابع ومستنزف، ولا حل من دون إعادة التفاوض على أساس المصالح المتبادلة، وليس على أساس فتح الأسواق من طرف واحد.
بالإضافة إلى فرض رسوم جمركية عادلة على المستوردات المنافسة للمنتجات المحلية، بالتزامن مع إلغاء الرسوم على المواد الأولية، وتوفير الطاقة والمحروقات بأسعار مخفّضة، وتفعيل آليات مكافحة الإغراق.
فالتباهي الرسمي بالأرقام، ليس مجرد تفاؤل غير مبرر، بل تضليل للرأي العام، وتجاهل لمعاناة قطاع حيوي يشكل، وسيبقى، بارقة الأمل الوحيدة لأي تنمية.
وكما قالت غرفة صناعة دمشق «الصناعة هوية وطن»، وهذه الهوية مهددة بالتلاشي إذا استمرت السياسات الحالية من دون تغيير جذري.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1274
فرح شرف