لغز جديد في تسعير السلع، من يكتب فاتورة الجوع في سورية؟!
رهف ونوس رهف ونوس

لغز جديد في تسعير السلع، من يكتب فاتورة الجوع في سورية؟!

في مشهدٍ اقتصادي يزداد قتامة وعبثية، لم يعد بالإمكان الاحتماء بذريعة «العرض والطلب» ولا حتى بتقلبات سعر صرف الدولار لتبرير انفلات الأسعار وموجات الغلاء الجنونية وكأن السوق يعمل خارج أي منطق اقتصادي سليم!

فتعامل السوق اليوم مع الدولار بات اعتيادياً، لكنه لم يعد بثلاث شرائح سعرية فقط ومتفاوتة مقابل الليرة (الرسمي للتعبير عن استقرار شكلي، والموازي للتصريف اليومي، والتحوطي للتجار ومستوردي السلع)، بل هناك شبح جديد أكثر إبهاماً، شريحة تسعير «رابعة» للسلع في الأسواق بلا ضابط ولا رقيب ولا سقف، وباتت هي الحاكم الفعلي لقوت السوريين، والتي تتجاوز كل المنطق الاقتصادي، وتكرس واقعاً يصمت فيه الخطاب الرسمي الذي يدعي «الاستقرار» بينما يدفع المواطن وحده ثمن فاتورة لا يعرف من يحررها ولا على أي أساس تُحتسب.

ففي السوق المدولر وعند طلب شراء إحدى السلع مثلاً، وبسبب تذبذب سعر الصرف، يتصل البائع مع المورد، أمام الزبون «للشفافية» و«المصداقية»، لمعرفة سعر السلعة مقيمة بآخر مستجد لسعر الصرف، وما على الزبون إلا الرضوخ للسعر المفروض عليه كنتيجة لهذه «الشفافية». هذه العملية لا تتم مرة واحدة يومياً، بل لعدة مرات في اليوم، سواء كان هناك زبائن أم لا، بذريعة تذبذب سعر الصرف، وفي كل مرة قد يتغير السعر. وهذا الأمر بات ينطبق على كل السلع، المستوردة والمحلية والمخزنة، ولم يعد سعر السلع مرتبطاً بالسعر التحوطي المرتفع المفروض من التجار على السلع المستوردة فقط، بل تعداها إلى كل السلع الاستهلاكية، مع هامش مناورة مفتوح على مصراعيه لمزيد من الاستغلال بين حلقة الموردين وحلقة بائعي المفرق على حساب ومن جيب المستهلك.

هذه الشريحة السعرية ليست انعكاساً لأي تكلفة حقيقية، ولا تمت بصلة لسعر الصرف أياً كانت قيمته، بل هي ببساطة ربح إضافي «مشوّه» وُلِد من رحم غياب الرقابة وانعدام المنافسة الحقيقية أو لجذور خفية تمرر فاتورة أطماع الناهبين التي تتغذى على جيوب المفقرين.
فمنذ بداية العام، «قفزت أسعار السلع الأساسية كالرز والزيوت والسمون وغيرها بنسب تتراوح بين 20-25%، أعلى من نسب متغيرات أسعار الصرف، ناهيك عن اللحوم الحمراء والبيضاء التي ارتفعت بنسبة كبيرة، وعلى الرغم من انخفاض سعر اللحوم البيضاء لكنها ما زالت أغلى من أسعارها خلال الفترة السابقة أي قبل شهر رمضان بنسبة تقارب 60%، كما أن اللحوم الحمراء ازدادت أسعارها بنسبة تقارب 100% قياساً بالفترة السابقة، وهذا ما أكده أمين سر جمعية حماية المستهلك «عبد الرزاق حبزة» في تصريح لصحيفة «الوطن» بتاريخ 10 نيسان.
كما حلّقت الأسعار خلال ساعات في نهاية الأسبوع الفائت بنسب تتراوح بين 8-12% بذريعة ارتفاع سعر صرف الدولار، ليبدأ السباق الجماعي لتعديل لائحة الأسعار ورفعها باسم «السوق الحر»، الذي عزز الفوضى السعرية ومنح الاستغلال شرعنة رسمية.

هذا الانفلات السعري لا يقابله فشل في ضبط السوق فقط، بل فوضى عارمة على صعيد الجودة والسلامة الغذائية، فيكشف «عبد الرزاق حبزة» في تتمة تصريحه، عن فضائح مروعة لانتشار حالات الغش ابتداء من اللحوم المفرومة مسبقاً والتي لا يعرف نوعها إلى الألبان والأجبان والتي تُصنع معظمها من حليب البودرة ويضاف إليها سمون مهدرجة إضافة إلى بيع مواد منتهية الصلاحية بعد إعادة تعبئتها ووضع لصاقة بتاريخ صلاحية جديد، فضلاً عن المعلبات المهربة ومجهولة المصدر وغير الصالحة للاستهلاك البشري، ناهيك عن انتشار حالات التلاعب بالوزن والكيل. إنها جريمة اقتصادية وأخلاقية مكتملة الأركان، والضحية دائماً واحدة، المستهلك الذي يدفع الثمن مرتين، من جيبه عبر أسعار مرتفعة واستغلالية ولا تعكس جودة حقيقية، ومن صحته عبر مخاطر مواد فاسدة أو مغشوشة لكنها رخيصة وباتت في كثير من الأحيان خياره الوحيد أمام أفواه جياع مفقرة مسلوبة الكرامة في ظل صمت رسمي مطبق وتنصل تام من أبسط واجبات الدولة في حماية مواطنيها في ظل واقع معيشي يزداد قسوة، حيث الفقر قاعدة وليس استثناء!
المطلوب اليوم حلول جذرية لا خطاب يتغنى «بالسوق الحر التنافسي» كآلية قادرة على ضبط الأسعار تلقائياً، فهو ليس سوى وسيلة لانفلاته مع غياب المنافسة والرقابة، فالتاجر لم يعد مقيداً بسقف والمستهلك لم يعد محمياً بأي حد أدنى، بل تتآكل قدرته الشرائية لمصلحة أرباح حيتان التجارة المستفيدة من هذا السوق المشوه وغير المتوازن.

فمن يحرر فاتورة الجوع هذه، يجب أن يُسأل، ومن يمر عليها مرور الكرام من المسؤولين، يجب أن يُحاسب، والسؤال لم يعد موجهاً للضمير الغائب، بل للشارع السوري الذي يجب أن يكون له كلمة الفصل في وجه هذا العبث الاقتصادي «المقونن». فالتغيير لم يعد ترفاً بل ضرورة ولا يكون بالاستمرار بوصفات أثبتت فشلها بل ببناء مقاربة حقيقية وجدية ومتوازنة تحمي المجتمع وتدعم الاقتصاد في آن معاً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1274