ارتفاع مستوى المياه المخزنة في السدود يتطلب حسن الإدارة لاستثمارها بكفاءة...
منية سليمان منية سليمان

ارتفاع مستوى المياه المخزنة في السدود يتطلب حسن الإدارة لاستثمارها بكفاءة...

بينما تتصدر عناوين الأخبار التصريحات الرسمية التي تتباهى بامتلاء السدود بعد موسم مطري استثنائي، تتكشف خلف هذه الأرقام البراقة حقيقة مُرة مفادها أن هذه الزيادة في المخزون المائي ليست ثمرة سياسة حكيمة أو إدارة رشيدة، بل هي «عطاء رباني» من الأمطار التي تجاوزت معدلاتها 130% هذا العام، فالإنجاز الحقيقي لا يُقاس بكمية المياه المخزنة بفعل الطبيعة، بل بمدى القدرة على إدارة هذه الثروة وحمايتها من الهدر والضياع.

قصة نجاح منقوص


وفقاً لتصريح مدير الموارد المائية في الحسكة «عبد العزيز أمين» لأحد المواقع الإعلامية المحلية بتاريخ 4 نيسان، سجلت السدود ارتفاعاً كبيراً في مخزونها بنسبة 169% مقارنة بالعام الماضي، حيث بلغ إجمالي المياه المخزنة نحو 328,620 مليون متر مكعب مقابل 121,974 مليون متر مكعب خلال الفترة نفسها العام الماضي، وتركز الجزء الأكبر منها في سد الحسكة الجنوبي بنحو 257 مليون متر مكعب، وفي طرطوس، امتلأت سدود الدريكيش والصوراني بالكامل بطاقة 6 و4,5 مليون متر مكعب على التوالي، بينما لا يزال سد الأبرش عند 47 مليون متر مكعب فقط من أصل سعته الإجمالية البالغة 103 ملايين، أما حمص، فتشير المعطيات إلى أن معدلات التخزين لا تزال متواضعة، حيث لم تتجاوز 40% في بعض السدود الرئيسية.


الوجه الآخر


ورغم هذا التحسن النسبي، ففي محافظة درعا، لا تزال بعض السدود تعاني من الجفاف التام، كسد درعا الشرقي، وبالعموم السدود الـ 161 في مختلف المحافظات وصلت في تخزينها إلى أقل من نصف طاقتها حسب الهيئة العامة للموارد المائية، هذه المفارقة هي النتيجة الطبيعية لتوزع الهطل المطري، لكنها بآن تكشف الخلل الهيكلي في التخطيط وتوزيع الثروة المائية.


كفاءة مفقودة وصيانة غائبة


الأمر الأكثر خطورة يتجسد في سد الحسكة الجنوبي، حيث يختزن مئات الملايين من الأمتار المكعبة من المياه خلف بواباته، لكن دون جدوى حقيقية، والسبب ببساطة هو أن البوابات القوسية والمحركات تعرضت للسرقة، مما يعني أن هذه الكميات الهائلة قد لا يمكن تصريفها لري الأراضي الزراعية في الصيف، وهذه الحادثة ليست سوى غيض من فيض إهمال مزمن، حيث لم تخضع معظم السدود السورية لصيانة جذرية فنياً وتشغيلياً منذ سنوات طويلة.


نزيف تحت الأرض


تستنزف المياه الجوفية أيضاً بفعل ظاهرة الحفر العشوائي للآبار التي تفاقمت بشكل مرعب في العقود الأخيرة، واستمرت بشكل لافت بعد سقوط سلطة الأسد، بسبب ظلم السياسات التي وضعت المواطنين أمام معادلة قاسية، إما إنقاذ مواسمهم الزراعية وأسرهم على حد سواء من العطش أو انتظار سياسات مائية عاجزة عن حلول أو حتى بدائل لقطرة ماء واحدة عبر الشبكات الرسمية المتهالكة، إنه مشهد عبثي يهدد الأمن المائي للبلاد على المدى البعيد.


التباهي لا يروي عطشاً


ختاماً، يبقى السؤال الجوهري: ما قيمة امتلاء السدود وارتفاع مستويات المياه المخزنة إذا كان هناك فجوة بين سلامة السدود من الناحية الإنشائية وقدرتها الفعلية على العمل بكفاءة من أجل حسن استثمارها؟
فالإنجاز الحقيقي لا يكمن في الأرقام المسجلة عن ملاءة السدود خلال موسم الأمطار، بل في وضع خطة وطنية شاملة لإعادة تأهيل السدود وصيانتها، وضبط فوضى الآبار العشوائية بمعالجة جذور الظاهرة، وترشيد استخدام الموارد المائية وحسن إدارتها واستثمارها بكفاءة لتأمين المياه للشرب وللزراعة.
المطر الذي يملأ السدود لا يُكتب في سجل إنجازات الجهات الرسمية، بل هو إمكانات الطبيعة التي ستزول سريعاً بسوء التدبير والاستهتار والإهمال. فالمياه المخزنة اليوم قد يستفاد منها جزئياً، أما بقيتها فلن تصل إلى الحقول والمنازل في الصيف لتبقى مجرد أرقام على ورق.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1274