سوق سوداء للتعليم... المدرسة لتمضية الوقت والدروس الخصوصية نظام بديل
لم تعد الدروس الخصوصية في سورية خياراً ترفياً ولا مكملاً تربوياً، بل تحولت إلى نظام تعليمي موازٍ كامل الأركان، يبتلع ميزانيات الأسر ويحل محل المدرسة الحكومية التي أضحت مجرد مكان «لتمضية الوقت» وتحصيل علامات السلوك، لا مكاناً لبناء العقول.
المدرسة العامة والفشل المنظم
لماذا يلجأ الطلاب إلى الدرس الخصوصي؟
الجواب يكمن في تفاصيل الواقع اليومي للتعليم في المدارس الرسمية، فأمام صفوف مكتظة، وغياب تام لأدنى الوسائل الإيضاحية، ومناهج متضخمة لا تتناسب مع الزمن المدرسي المحدود، إضافة إلى معلمين محبطين يعملون في بيئة طاردة، فمع هذه الظروف، يصبح «التعليم» شكلياً وهامشياً، والشرح الصفي غير كافٍ إطلاقاً، مما يجبر الطالب على البحث عن «مصدر آخر موثوق للمعلومة» وهنا يظهر المعلم الخصوصي كمنقذ ومستغل في آن واحد، ليُكمل ما فشلت فيه المنظومة التربوية الرسمية وتعويض الفاقد العلمي.
تحت وطأة الأجور المتدنية وأمام لقمة العيش
في الطرف الأخر من المعادلة يقف المعلم الذي أنهكه التفكير بتأمين مستلزمات الشهر من خبز وغذاء ودواء، فكيف له أن يقف بكامل قواه وذهنه ليقدم المعرفة لطلابه في الصف، إضافة إلى مهامه في وضع الأسئلة والتصحيح والمحصلات والسجلات، فهو مستنزف في الوقت والجهد حتى الرمق الأخير لقاء أجر زهيد لا يتناسب مع جهده وتعبه من جهة ولا يتوافق مع ضرورات المعيشة من جهة أخرى!
فمن الطبيعي بعد هذا الإجحاف الكبير بحق المعلمين أن يبحث هؤلاء عن عمل آخر لتأمين مصدر دخل إضافي يكفيهم شرور العوز مع أسرهم في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية، وهذا لا ينفي تحكم الأطماع الاستغلالية عند البعض.
تراوحت تكلفة الدروس الخصوصية لطالب شهادة ثانوية «علمي» وفق نظام مجموعات بقسط شهري لأربع مواد تصل إلى 500,000 ل.س وسطياً وهذا لا يتناسب مع دخل الأسرة المحدود ويشكل عامل ضغط حقيقي على معيشتها، فمادة الرياضيات 200,000 ل.س والفيزياء 150,000 ل.س بينما الكيمياء تتراوح بين 85-100 ألف ل.س واللغة الإنكليزية بين 75-100 ألف ل.س، وهذه الأسعار وسطية وتختلف حسب كفاءة المعلم وسمعته والمنطقة وترتفع أضعافاً في حال كان الدرس بشكل منفرد للطالب، وهنا نتحدث عن طالب واحد في الأسرة وبعدد محدد من المواد!
الأهالي ضحايا سوق الابتزاز
الأهالي اليوم أمام خيارين، كلاهما مُرّ؛ إما التسجيل في هذه الدروس تحت وطأة الضرورة
والخوف على مستقبل أبنائهم، وإما تركهم يواجهون مصيراً دراسياً مجهولاً، فبعض الطلاب بحاجة حقيقية لتعويض ضعف التأسيس. المشكلة الحقيقية أن الأهالي يتحملون هذا العبء المالي الثقيل على حساب قوت يومهم واحتياجاتهم الأساسية سعياً إلى تحصيل أبنائهم درجات عالية في الشهادة الثانوية العامة مثلاً، ولا سيما أن القبول الجامعي ما زال مرهوناً بهذه الدرجات فقط، مما يكرس «أزمة تكافؤ الفرص» ويجعل النجاح وتحصيل العلامات مرهوناً بقدرة الأسر المادية لا بقدرات الطالب نفسه.
غياب الدولة
لا أحد بريء في هذه المعادلة، لكن الحكومة تتحمل المسؤولية الأكبر، فسياساتها الأجرية المجحفة دفعت المعلمين خارج أسوار المدرسة، وسياساتها التعليمية القاصرة والعاجزة جعلت الدروس الخصوصية بديلاً وليس مكملاً، وغياب الرقابة سمح بتحول هذه الظاهرة إلى سوق سوداء منظمة، تستنزف جيوب السوريين وتوسع الفجوة الاجتماعية. إن تكريس غياب الدولة وأي حديث عن حلول جزئية تربوياً وتعليمياً سيظل عبثاً ما لم تستكمل مع حلول جذرية وعميقة تبدأ بالسياسات التعليمية ولا تنتهي بالسياسات الأجرية.
حلقة مفرغة
إن ظاهرة الدروس الخصوصية في سورية ليست مجرد مؤشر على سوء وتردي التعليم، بل هي حكم بالإعدام على مبدأ تكافؤ الفرص، وشهادة وفاة للمدرسة الرسمية المجانية. في حلقة مفرغة يخسر فيها الجميع، طالب المدرسة في البيئة المضطربة وغير التعليمية، وذويه المفقرين الذين تُستنزف أموالهم، والمعلم المنهك، والوطن الذي يخسر مستقبل أبنائه.
وإلى أن تقوم الدولة بتغيير جذري حقيقي في سياستها التعليمية والأجرية، سيظل هذا المشهد الكارثي يتفاقم، فالتعليم الحقيقي لم تعُد تقدمه الدولة، وبات له سوق سوداء تنافسية جديدة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1274
رشا عيد