مساعي تحويل الصحة إلى رقم في جداول الأرباح
في بلدٍ يئنّ تحت وطأة ظروف اقتصادية معيشية قاهرة، يصبح الحديث عن «عوائد» القطاع الصحي أشبه بقنبلة موقوتة، تكشف عن تناقضات هيكلية عميقة بين منطق الربح وحق السوريين بالحياة!
فمن دون مقدمات، كشف مدير هيئة الاستثمار السورية، طلال الهلالي، في مقابلة مع شبكة «CNN الاقتصادية» في 8 نيسان، عن توجه حكومي لمنح القطاع الخاص دوراً مباشراً في إدارة المستشفيات الحكومية.
وقال الهلالي «إن الدولة تمتلك 71 مستشفى حكومياً، وتتجه إلى إعطائها للقطاع الخاص لإدارتها والاستفادة من عوائدها بالشراكة مع الدولة».
وبعيداً عن تجاوز الهلالي لصلاحياته في تقرير مصير مؤسسات تابعة لوزارة الصحة، (وهي ملك لعموم الشعب السوري)، وبالرغم من البيان «التوضيحي» اللاحق بأن الدولة ستبقى الضامن للعلاج، مع التأكيد ضمناً على الطرح التشاركي والاستثماري مع القطاع الخاص تحت عنوان «تحسين آليات العمل والخدمات»، فإن ذلك يعني القفز على الواقع والتعالي على أوجاع الناس.
فبحسب الأرقام الصادرة عن خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية لعام 2026، المكونة من 81 صفحة، تبيّن أن 15,6 مليون شخص يحتاج إلى مساعدة إنسانية في العام المقبل، أي 60% من عدد السكان بحسب إحصائيات الأمم المتحدة، وأن 13,3 مليون سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي. والأهم أن الأمراض غير المعدية (القلب- السرطان- السكري) تسهم بنحو 70% من الوفيات، بينما يعجز 58% من السكان عن توفير الأدوية.
هذه الأرقام، وهي جزء من الواقع ولا تعكسه كله، ليست للتداول في بورصة «الاستثمارات»، ولا هي مادّة «للتجارة»، والقفز عنها هو تجاهل متعمّد لحقيقة أن أكثر من 95% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر.
أوهام الشراكة
وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، فإن 57% فقط من المستشفيات تعمل حالياً بكامل طاقتها، بينما البقية تعمل بطاقة جزئية أو توقفت تماماً.
المشكلة أن الحديث عن «الشراكة» في ظل هذه الأرقام ليس مجرد خيار إداري، بل مقدمة معلنة للخصخصة.
فالشراكة هنا ليست سوى استيلاء مباشر على ممتلكات الشعب لصالح قلّة، مع احتفاظ الدولة بشكليات الملكية؛ حيث سيمتلك القطاع الخاص (التسعير- والخدمات- والتوظيف- بل وحتى اختيار المرضى حسب الملاءة المالية)، وتصبح الدولة «الشريكة» في واقع الأمر ضامناً لربحية القطاع الخاص.
الصحة كسلعة
يتعامل تصريح الهلالي كتعبير عن التوجه الرسمي (وتوضيحه اللاحق أيضاً)، مع الصحة وكأنها قطاع سياحي، متجاهلاً أن القطاع الصحي هو شبكة الأمان الأخيرة التي تمنع انزلاق المجتمع برمته إلى الهاوية.
فأي مساس بصحة المواطنين باسم «الكفاءة» و«العوائد» سيكون بمثابة تفكيك متعمد للنسيج المجتمعي وهو في أضعف حالاته.
فتطبيق نموذج «السوق الحر» و«التشاركية» و«الاستثمار» على القطاع الصحي العام في مجتمع مُتعب ومُفقر يعني تحويل الصحة والاستشفاء إلى «رفاهية» لمن يملك من المترفين والأثرياء، أما الغالبية فستُترك لتموت بصمت. وهذا ليس اقتصاداً ولا إدارة خدمات، بل سياسة قتل اجتماعي بطيئة، حتى لو حملت عناوين برّاقة مثل «الشراكة بين القطاع العام والخاص- خدمة أفضل وكلفة أقل ومعايير أعلى».
خصخصة مقنّعة.. السيطرة بلا إعلان
ما يُطرح اليوم ليس «شراكة» كما يُروج له، بل شكل فج من أشكال الخصخصة المقنّعة التي تُمرَّر بهدوء لتجنب الغضب الشعبي. فحين يُسلم القطاع الخاص إدارة المستشفيات العامة، فإنه لا يستلم مجرد مهام تشغيلية، بل يضع يده فعلياً على جوهر القرار الصحي: من تحديد كلفة العلاج، إلى نوعية الخدمات، وصولاً إلى من يُعالج ومن يُهمَّش ويحرم من العلاج. هذه ليست إدارة، بل مصادرة تدريجية لدور الدولة، وتحويلها إلى واجهة شكلية تغطي واقعاً مختلفاً تماماً.
الخطورة هنا أن هذه الخصخصة لا تُعلن صراحة، بل تُنفذ عبر أبواب خلفية، ما يجعلها أكثر فتكاً وأقل قابلية للمساءلة، وسيُدفع الناس قسراً نحو كلف أعلى تحت عناوين خادعة مثل «تطوير الخدمة» و«تحسين الجودة». وهكذا يجد المواطن نفسه أمام واقع جديد: يدفع أكثر مقابل حق أساسي، في مؤسسات يُفترض أنها عامة ومجانية، بينما تظل الجهات الرسمية قادرة على إنكار الخصخصة والتنصل من تبعاتها. إنها خصخصة جزئية ومخفية بلا اسم، لكنها ستكون حاضرة في كل فاتورة علاج، ومع كل مريض يُترك لمصيره لأنه لا يملك ثمن «الخدمة الأفضل».
البديل الوطني
المطلوب لا يتمثل في خصخصة القطاع الصحي العام، المباشرة وغير المباشرة، بل في إعادة تأهيل المشافي الحكومية، وتأمين مستلزماتها وتجهيزاتها، والحفاظ على كوادرها وضمان حقوقهم وكراماتهم، وإصلاح نظام الدعم الصحي دون المساس بمجانية الخدمات للغالبية المسحوقة، ليكون أكثر عدلاً وكفاءة بدلاً من تفكيكيه أو التفريط به.
فالصحة ليست سلعة تُباع في السوق... بل حق أساسي من حقوق السوريين لا يمكن التفريط به باسم الاستثمار؛ وليس من حق هذه السلطة أو غيرها المتاجرة بصحتهم!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1273
فرح شرف