سعر صرف متعدد الشرائح... عن أي استقرار تتحدث الحكومة؟
رهف ونوس رهف ونوس

سعر صرف متعدد الشرائح... عن أي استقرار تتحدث الحكومة؟

في مشهدٍ اقتصادي عبثي، تقدم المؤسسات الرسمية صورة مغايرة تماماً للواقع اليومي الذي يعيشه السوري اليومي، فبينما تُثبت نشرة مصرف سورية المركزي سعر صرف الدولار عند 11000 ل.س، يسجل السوق الموازي تقلبات تزعزع ادعاء الاستقرار، بينما يسجل السعر التحوطي ارتفاعات قياسية تتمثل بأسعار السلع في السوق، وكل ذلك يعكس فداحة الفجوة بين الخطاب الرسمي وحقيقة المعاناة المعيشية.

ثلاثة أسعار وحقيقة واحدة


يكشف تعامل السوق مع الدولار عن ثلاث شرائح سعرية متفاوتة مقابل الليرة، تثير التساؤلات حول جدية وجدوى السياسات النقدية، فالسعر الرسمي «المجمّد» الذي تتباهى به النشرات الرسمية (11,000 ل.س) لم يعد له وجود فعلي في التعاملات اليومية، فيما بلغ سعر السوق الموازي مع اقتراب نهاية شهر آذار 12,270 ل.س، مسجلاً زيادة 6,7% عن بداية العام حيث كان 11,500 ل.س، وبينهما يقف السعر «شبه الرسمي» الذي تسعر على أساسه المحروقات، والذي قفز بنسبة 4,1% من 11,500 بداية العام إلى 11,975 ل.س بتاريخ 25 آذار مع أخر نشرة رسمية لأسعار المحروقات.
لكن الغائب الأكبر هو سعر الشريحة المدولرة غير المعلن، ذلك السعر «التحوطي» الذي يعتمده حيتان التجارة في تسعير البضائع والسلع والخدمات بذريعة تلافي خسائر تذبذب سعر الصرف، لكنه عملياً مكرس لجني المزيد من الأرباح الطائلة نهباً واستغلالاً، وهو الأعلى بنسبة الزيادة بين مطلع العام حتى نهاية آذار، حيث تصل إلى 30% تقريباً، وربما أكثر من ذلك لبعض السلع، هذا التعدد في سعر الصرف يعكس أزمة ثقة حادة بالسياسات النقدية التي فشلت في توحيد السعر أو حتى الاقتراب من واقع السوق، وهذا التناقض ليس حدثاً عارضاً بل الجوهر الكاشف لأزمة السياسة النقدية!


تضخم جنوني... وسلع أساسية كاشفة


تُترجِم الأسعار في الأسواق هذه الفوضى النقدية بواقعٍ مؤلم لارتفاعات بلا سقف ورقابة لا تتجاوز تحرير ضبوط شكلية، فسعر كيلو البن (متوسط الجودة والماركة) قفز بنسبة 45% خلال ثلاثة أشهر فقط، من 120,000 ل.س تقريباً بداية العام إلى 175,000 ل.س نهاية آذار، أما السكر المعبأ فسجل ارتفاعاً بنسبة 28% حيث كان بحدود 7,000 ل.س ليصل إلى 9,000 ل.س، والأرز متوسط الجودة قفز بنسبة 26% تقريباً حيث كان بحدود 7,500 ليصل الآن إلى 9,500 ل.س، هذه النسب تعبر عن فارق السعر التحوطي لبعض السلع المستوردة بين مطلع العام وحتى نهاية آذار، وبوسطي زيادة 33% تقريباً (أعلى من الدولار الموازي ومن دولار المحروقات)، وهي تفضح آليات النهب والاستغلال بالإضافة إلى حجم الانهيار الحقيقي لليرة السورية في السوق، الذي لا تعكسه نشرات المركزي الصامتة، كما توضح تراجع القدرة الشرائية والمستوى المعيشي لعموم السوريين.


فجوة متسعة وسياسات عاجزة


الحديث الرسمي عن الاستقرار النسبي في سعر الصرف يتناقض مع الفرق الكبير بين السعر الرسمي وسعر المحروقات (وصل الفرق إلى نحو 1,000 ل.س)، والفجوة الأعمق مع السوق الموازي (وصل الفرق إلى نحو 1,300 ل.س)، أما الفجوة الأشد قسوة فهي الدولار التحوطي، والتي تعد ضريبة غير معلنة مقابل كل سلعة وخدمة.
فالسياسات النقدية افتقرت إلى الأدوات الفاعلة للتحكم بسعر الصرف، الذي ثبت أنه يدار عملياً خارج أدوات المركزي عبر سوق موازٍ وتحوطي تتحكم به شبكات مضاربة مستفيدة من نقص السيولة وغياب البدائل التمويلية، وكذلك غياب آليات التدخل الفاعلة في السوق. فالإجراءات التي اتخذها المركزي أثبتت فشلها في ردم الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، والأهم الفجوة بين الرسمي والتحوطي.


جيوب المفقرين وحدها من تدفع الثمن إفقاراً واستغلالاً!


في ظل هذه الفوضى، يتحمل المواطن وحده تكلفة الادعاء بالاستقرار الوهمي لسعر الصرف، اعتباراً من تسعير المحروقات بسعر صرف أعلى من المركزي، مروراً بالفارق مع سعر الصرف الموازي، وليس انتهاء مع التاجر الذي يتعامل بسعر تحوطي أعلى بكثير بادعاء تجنب الانهيار، بينما تتفرج الحكومة على موجات الارتفاعات السعرية المستمرة، مع الهامش الاستغلالي الذي يضاف إلى الأسعار في الكثير من الأحيان، لتنتقل صدمات تباين سعر الصرف مباشرة إلى جيب المواطن دون حماية اجتماعية أو اقتصادية، مع تكريس تنصل الحكومة من مسؤولياتها أمام السوق غير المنضبطة، ما يعكس ضعف الرقابة على الأسواق وليس ذلك فقط، بل وانعدام الثقة بالسياسات النقدية نفسها.
ضرورة تغيير السياسات وتكاملها
باختصار يمكن القول إن السياسات النقدية ستبقى عاجزة بأدواتها المنفردة بعيداً عن التكامل مع بقية السياسات الاقتصادية، ففعالية السياسة النقدية في التحكم بسعر الصرف ترتبط مثلاً ارتباطاً وثيقاً بقوة الإنتاج الحقيقي، فكلما كان الإنتاج قوياً، زادت الصادرات وتعزز الطلب على العملة المحلية، مما يمنح البنك المركزي قدرة أكبر على استقرار سعر الصرف بوسائل مثل أسعار الفائدة والتدخل في السوق. كما يساهم ارتفاع الإنتاج في الحد من التضخم، فيحافظ على القدرة الشرائية ويرفع المستوى المعيشي. أما في حالة ضعف الإنتاج، فتتراجع فعالية السياسة النقدية، إذ يؤدي ارتفاع الأسعار وضعف العملة إلى تآكل القدرة الشرائية وانخفاض مستوى المعيشة، وقس على ذلك في بقية مفردات السياسات الاقتصادية المتبعة من قبل الحكومة، والتي ثبت سوؤها، بما لا يدع مجالاً للشك، بتداعياتها السلبية الملموسة على المستويات كافة، على ذلك فإن المطلوب حالياً ليس التكامل في السياسات فحسب، بل تغييرها جذرياً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1271