إعادة صرف رواتب المتقاعدين... العدالة التصالحية والمماطلة التي لا تنتهي...!
بعد مرور سنة وثلاثة أشهر تقريباً من الانتظار، وبعد المعاناة من الجوع والفقر، جاء الإعلان «التاريخي» لوزير المالية، الذي على الرغم من تأخره ولكنه أتى وأخيراً، ففي 12 آذار أعلن أن الدولة ستباشر تسديد الرواتب التقاعدية لبعض الفئات التي توقفت معاشاتها سابقاً، مؤكداً أن الخطوة جاءت انطلاقاً من حرص الدولة على الإنصاف والعدالة والسلم الاجتماعي والمساهمة في تحسين الوضع المعيشي لجميع السوريين!
مع العلم أن قرار إيقاف الرواتب لو لم يُتخذ من البداية، أو لو حُسِم أمره بعد فترة من إقراره، لأنقذ آلاف الأسر من الجوع والفقر والمرض، لكنه يأتي اليوم حاملاً في طياته من المرارة والتناقضات ما يضيف شكلاً جديداً من الإهانة إلى سلسلة طويلة من طرق سلب الكرامة التي عاناها هؤلاء.
فالمفارقة الصادمة أن الحكومة، التي تحتفي بهذا القرار وكأنها تمنح المتقاعد «مِنّة» تستحق الشكر عليها، هي
نفسها التي أوقفت الرواتب تعسفياً دون أدنى تفكير بحال ومعيشة هذه الفئات، وهي التي تدّعي سعيها إلى تحسين وضعهم المعيشي!
وفي الوقت نفسه هي التي تضع اليوم شروطاً واعتبارات تحوّل «الحق المكتسب» إلى «استجداء» عبر جهات مختصة ولجان.
15 شهراً، يبدو رقماً بسيطاً عند لفظه وسلساً على المسامع الحكومية ومرّ كلمح البصر أمام أعينها بلا رحمة، مقابل قهرٍ معيشي أحكم الخناق على المتقاعدين الذين باتوا غير قادرين على تأمين أبسط متطلبات الحياة ويبيعون ما تبقى لديهم من أثاث منازلهم لتأمين لقمة العيش التي لا تسد الرمق.
وقد كان بإمكان الحكومة من وقتها، كما فعلت الآن، أن تُحيل المشتبه بتورطهم للقضاء ليقوم بدوره ويتخذ الإجراء اللازم، لكنها آثرت سياسة «العقاب الجماعي»، فأوقعت الجميع في المحظور.
فبعد أن دفع عشرات الآلاف ثمن ارتجالية القرارات وظلمها تحاول تصويب الخطأ بخطأ أكبر منه عندما تحيل أمر هؤلاء مجدداً إلى جهات مختصة ولجان، وليس إلى السلطة القضائية، مع مساعٍ جادة للإسراع في البت بأمر حقهم في أجورهم المتوقفة خارج القانون.
فهذه الإحالة تعني هامشاً زمنياً إضافياً من المماطلة، وتثير تساؤلاً ملحاً حول العدالة والمساواة والإنصاف (الحاكم الفصل)، خاصة مع معيار من تلطخت يديه أو لم تتلطخ بدماء السوريين!
فهذا المصطلح فضفاض وذو بعد «سياسي» ولا يشكل مفهوماً قانونياً محدداً حسب حقوقيين، خاصة أنه من المفترض أن يكون من مخرجات كشف الحقيقة كمسار للعدالة الانتقالية والذي لم يبدأ فعلياً كمنظومة قانونية شاملة.
وعليه، فقد كان الأجدر بالحكومة إحالة الملف كاملاً إلى القضاء المختص، فمصير الناس وحقوقهم ليس لعبة في يد القاصي والداني ولجان مبهمة جملةً وتفصيلاً.
والأكثر استفزازاً، تصريح وزير المالية بقوله «من يعتقد أنه يستحق فعليه أن يتقدم بطلب وستتم دراسة الملفات بشكل ممنهج».
فمن قضى عمره في خدمة المؤسسة التي يعمل بها، يُطلب منه أن يُثبت استحقاقه لمعاشه التقاعدي، الذي سبق أن تم اقتطاعه من أجوره طوال سنوات عمله!
فهل الحكومة غير مُدركة لحجم الكارثة الإنسانية الناجمة عن قرار إيقاف الرواتب من البداية، وصولاً إلى الشروط الحالية المستجدة؟
أم إنها تضخ إبرة بنج ستأخذ مفعولها عبر اللجان وتقديم الطلبات الفردية لينام الملف أشهراً إضافية، وينال مزيداً من الانتظار في المماطلة، ليموت هؤلاء المفقرون وأسرهم جوعاً ومرضاً وفقراً؟!
ما يجب تأكيده هنا أن الراتب التقاعدي ليس هِبّة أو مَكرمة من الحكومة، بل حق مكتسب لا يسقط إلا بصدور حكم قضائي قطعي، وهذا يطرح تساؤلاً جوهرياً حول دور اللجان الإدارية مقابل القضاء في تقرير البراءة أو الإدانة التي تستوجب حجب الراتب؟!
فالفقه القانوني الدولي يُصنِف المعاش التقاعدي «كحق ملكية خاصة» ومصلحة مالية محمية بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وعليه، فإن إيقافه أساساً كان إجراءً تمييزياً تعسفياً، وإعادته الآن بهذه الصورة المبهمة هو استمرار لسياسة الاضطهاد الاقتصادي التي مارستها السلطة الساقطة، لتعود اليوم بثوب جديد مع السلطة الحالية، التي تدعي أنها «الأفضل» والواقع خلاف ذلك.
فقوت الناس ليس ملفاً للمماطلة، والعيش بكرامة ليس ورقة مسلوبة، والاستمرار بهذه السياسات، المماطلة والتمييزية وغير العادلة، قنبلة موقوتة لا أحد بمنأى عن شظاياها، والسخط الشعبي المتصاعد لا تطفئه البيانات الرنانة ولا التصريحات الفضفاضة والمقتضبة إذا اشتعل!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1270
رشا عيد