مخلفات الحرب... كارثة مستمرة وحلول غائبة
نور الإبراهيم نور الإبراهيم

مخلفات الحرب... كارثة مستمرة وحلول غائبة

في مشهد يتكرر كشريط مصور، يتحول السوريون كل بضعة أيام، والأطفال بصورة خاصة، إلى رقم إحصائي جديد في قائمة الضحايا، لكن ليس برصاصة طائشة فقط، بل بقذيفة قديمة خلّفتها المعارك.

والسؤال الأكثر إيلاماً هو لماذا تبقى هذه القنابل الموقوتة متناثرة في الحقول والمنازل، وحتى في الثكنات المهجورة، من دون أن تلتفت إليها أي جهة مسؤولة؟


المأساة وأرقامها


شهد العام الماضي وبداية هذا العام عدة حوادث أودت بحياة عشرات الأشخاص؛ ففي 1 كانون الأول 2025 توفي طفل وأصيب آخران بانفجار قنبلة عنقودية في أراضي تلمنس بريف إدلب.
وفي 14 كانون الثاني 2025، قضى طفلان بعد عبثهما بقنبلة يدوية في قرية عياش بدير الزور.
أما الكارثة الأكبر فكانت في 13 آذار 2026، حيث قضى 6 أشخاص في انفجار معدات صواريخ بمنزل في الأتارب في حلب، بالإضافة إلى إصابة 31 شخصاً على الأقل في انفجار صاروخ قديم بثكنة مهجورة للدفاع الجوي في العباسية بحمص.
وهذه الأمثلة بالكاد تغطي قائمة سوداء طويلة، لكنها تكشف عن نمطٍ مرعب؛ فالضحايا في الغالب هم من الأطفال، والحوادث تتوزع جغرافياً في مناطق ريفية مهمّشة كانت مسرحاً للمعارك، والوقت يمضي من دون أن تتحرك الدولة جديّاً لإنهاء هذا الكابوس.


سلع قاتلة!


في زاوية مظلمة من الاقتصاد المنهك، ولد اقتصاد الخردة كأحد أخطر الأنشطة التي أفرزتها الأزمة. فتحولت آلاف الأطنان من مخلفات الحرب إلى «منجم متنقل».
فبعد عمليات التنحيس وتجميع الخردة ضمن شبكات محلية تجمع المخلفات من الأراضي الزراعية والمنازل المهجورة والمدمّرة، تظهر شبكات وساطة تشتري من الجامعين بأسعار زهيدة، ثم تبيعها إلى تجار كبار، يصدرون النحاس والخردة خارج البلاد.
وفي خلفية هذا المثلث، هناك من يتغاضى أو يُسهّل هذه العمليات!
فعلى الرغم من تواتر الحوادث، لا توجد حتى الآن خريطة واضحة للمناطق الملوثة بالمخلفات الحربية، ولا برامج وطنية للتعامل معها، ولا ميزانيات مخصصة لهذا الملف الخطِر، ولا وجود حتى لحملات توعية واسعة النطاق!
فيبدو أن الأولويات الرسمية تركز على ملفات أخرى، بينما تُركت الأرواح لمصيرها مع القنابل القديمة؛ إما لأن الضحايا أغلبهم في مناطق نائية ولا يُثير مستقبلهم الاهتمام الرسمي، وإما أن هناك من يستفيد من بقاء الوضع على ما هو عليه، سواء عبر تجارة الخردة أو عبر تهريب المعادن.


حلول غير قابلة للانفجار


مخلفات الحرب في سورية ليست مجرد حديد صدئ متناثر هنا وهناك، بل هي قنابل موقوتة تهدد حياة الآلاف. ومع استمرار الإهمال الرسمي وازدهار تجارة النحاس والمعادن الأخرى الدموية، ستظل قوائم الضحايا تطول، وسيظل الأطفال يدفعون الثمن الأغلى.
والمطلوب اليوم هو الكفّ عن إصدار بيانات الاستنكار والتعاطف، والتوجه نحو خطة وطنية تربط بين أمن الناس والتنمية الاقتصادية ومكافحة الفساد؛ وهذا يشمل إجراء مسح كامل للمناطق الملوثة؛ وتوفير بدائل اقتصادية للفئات الأكثر هشاشة لتقليل حاجتها للبحث عن أعمال خطرة لتوفير لقمة عيشها؛ وتشديد الرقابة على تجار الخردة والنحاس ومنع تداول أي مواد قابلة للانفجار.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1270