مهزلة سنوية تتكرر مع كل زخة مطر، والمحافظة تغرد خارج السرب...!
رهف ونوس رهف ونوس

مهزلة سنوية تتكرر مع كل زخة مطر، والمحافظة تغرد خارج السرب...!

في كل موسم للأمطار، يعيش السوريون لياليَ ثقيلة ومفزعة خوفاً من فيضانات متوقعة تغمر الأنفاق والمنازل أو تتسبب بأزمات مرورية خانقة نتيجة السيول في الشوارع وصولاً إلى شبكات الكهرباء والاتصالات وغيرها.

فالمنخفض المطري الذي ضرب البلاد اعتباراً من يوم السبت 14 آذار، أثبت مرة أخرى التوقعات رغم التحذيرات السابقة بقدوم الأمطار وغزارتها، ليكون المواطن وحده من يتلقى الصفعات على حساب معيشته وأمنه واستقراره، وهنا لسنا بوارد الحديث عن الغضب أو الرحمة الإلهية بقدر الإشارة إلى انعدام الرحمة على المستوى الحكومي، لتسقط هنا مشاريع التحسين «التجميلية» أمام أول اختبار حقيقي لتتكشف هشاشة البنية التحتية سواء في دمشق أو في بقية المحافظات.


أُطلقت التحذيرات والاستعدادات صفرية


المؤلم في الأمر أن دائرة «الإنذار المبكر» في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث كانت قد حذرت قبل عدة أيام من المنخفض، وتوقعت حدوث فيضانات وسيول قارعة جرس الإنذار، لكن المشهد على الأرض كان كارثة بانتظار الوقوع.
فما حدث أنه مع أولى زخات المطر غرقت الشوارع والمنازل والأقبية كما الأسواق والمحال التجارية في بعض المناطق لتتكشف البنية التحتية المتهالكة من الشوايات المطرية إلى قنوات التصريف والخنادق المطرية والريغارات وغيرها من أدوات تصريف الاختناقات المطرية، لتستنفر على إثرها فرق «دوائر الخدمات» في محافظة دمشق في استجابة متأخرة كمن «يُطفئ حريقاً».
لا شك أن الأمطار الهاطلة كانت غزيرة إلا أن ذلك لا يمكن اعتباره مبرراً لعجز المطريات الطرقية وشبكات الصرف الصحي، لتتحول الأمطار من بشائر خير إلى كوارث بسبب إهمال المعنيين لواجباتهم وإتمام المهمات والمسؤوليات مسبقاً على أكمل وجه.
فهذا استهتار ولا مبالاة رسمية تضيف هموماً جديدة إلى أعباء الهموم اليومية للمواطنين، وأن أياماً سوداء سيكونون في مواجهتها تضاف إلى الأيام السوداء التي يعيشونها إفقاراً!


وهم «الصيانة التجميلية»


تكاثر الحديث الرسمي حول إنجازات المحافظة عن مشاريع إعادة تأهيل وصيانة شبكات الصرف الصحي منذ العام الماضي، وحتى منذ أسابيع قليلة في منطقة «شارع الحمراء والشعلان» وغيرها، فلماذا كانت حتى هذه المناطق التي روّجت المحافظة فيها لمشاريعها التطويرية والتجميلية والتحسينية ضمن قائمة الغرق بالسيول؟!
وكأن البنية التحتية في سورية مجهزة لفصل الصيف فقط، والمشاريع المنجزة لم تحقق الغاية المنشودة منها أمام طوفان الأمطار وفيضان المياه الآسنة لتشي وكأنها أتت ضمن صفقات فساد وهدر للمال العام ليس إلا!
هذا الحال في بعض المناطق التي خُصصت لها الاعتمادات وصُرفت عليها الكثير من الأموال، وهكذا تكون النتائج عندما يتم التركيز على المظهر العام بمشاريع «للبهرجة والربح» لا «للحاجة والضرورة»، فكيف الحال في مناطق السكن العشوائي وأحزمة الفقر داخل المدن وفي محيطها، وهي التي تعاني مشكلات متراكبة ومتشابكة ومزمنة مسبقاً؟!


المواطن يدفع الثمن


بعيداً عن الأرقام التي تحدثت عن 100 استجابة في دمشق وحدها و55 في حلب لمواقع تعرضت لفيضانات، فالصور ومقاطع الفيديو المتداولة عبر وسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي، على كثرتها، لم تعكس حجم المأساة الحقيقية التي ألمت بالكثيرين، ولا سيما بآثارها على المفقرين «وهم الغالبية» المقيمين في مناطق الفقر، حيث السيول الجارفة التي حملت الطين والصخور من المرتفعات ودخل جزء منها إلى بيوتهم لتغرقها مروراً بانفجار شبكات الصرف الصحي فيها وليس آخراً بالبيوت المتضررة التي أصبحت أكثر تهالكاً مما مضى مع عدم إغفال الضرر على المستوى الحياتي كضحايا وإصابات أو خسائر في الممتلكات بما في ذلك وسائل النقل التي تعتبر مصدر رزق للبعض.
فما حدث مثلاً في «وادي السفيرة» بركن الدين في دمشق والأضرار التي لحقت بالممتلكات العامة والخاصة والمحال والسيارات، مع تأكيد مصدر في قيادة الشرطة إصابة ثلاثة أشخاص بجروح، وكذلك خسارة بضائع لمحال تجارية في سوق الحميدية وغرق مستودعات بمحتوياتها في مناطق أخرى «كساروجة والقنوات» تقدر بآلاف الدولارات، وحتى في محافظات أخرى كغرق المخيمات في إدلب وأضرار مشابهة في حلب والرقة التي توفى فيها أربعة أطفال لانهيار غرفة طينية بفعل الأمطار، ومع ذلك لم نسمع أية أخبار رسمية عن إمكانية تعويض هؤلاء المتضررين لما تكبدوه من خسائر جسيمة رغم فقرهم وقلة حيلتهم وحاجتهم.


الاستجابة الطارئة ضرورة غير كافية


رغم استنفار فرق المحافظة ولساعات متأخرة من الليل لتصريف المياه وتخفيف الاختناقات المطرية للتعامل مع الأزمة بمنطق الحلول الجزئية الطارئة، إلا أن المطلوب تبني مقاربة شاملة تعالج فعلاً الأسباب الجذرية لتلافي الآثار السلبية للفيضانات والسيول وتوفر حلولاً مستدامة، بدلاً من أن يقتصر الاهتمام على الاستجابة الطارئة بعد وقوع الكارثة.
فالمساعدة العاجلة للتخفيف من المعاناة اللحظية تبدو إيجابية لكنها حلول صيانة ترقيعية لا تساهم في تأهيل البنى التحتية أو إعادة إنشائها لتعمل بشكل مستدام بلا مشكلات، ولا توفر بيئة آمنة، وكذلك لا تعوض الخسائر، لتظهر الفجوة العارية بين التصريحات والوعود أمام الواقع الفعلي.
ففي الوقت الذي يُعلن فيه عن مشاريع خدمية (تجميلية) بالمليارات يظل الواقع على الأرض صادماً ما يؤجج مشاعر اليأس والإحباط لدى المواطنين ويزيد الشكوك حول جدية الالتزامات الرسمية لتحسين خدماتهم، فالخيارات واضحة إما الاستمرار بدورة المعاناة والاستهتار أو اعتماد رؤية استراتيجية وطنية شاملة تضع مصلحة الناس فوق كل اعتبار.
أما آن الأوان للتغيير الجذري والخطط الاستباقية بدلاً من ردود الفعل اللحظية، لتنتهي هذه المهزلة السنوية وليعيش المواطن بكرامة بلا خوف أو توجس مع كل زخة مطر؟!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1270