مستثمرٌ «غامض» لمول الأعظمية في حلب... مساحةٌ ضخمة «بتراب المصاري»!
بين ليلة وضحاها تحولت المؤسسة السورية للتجارة من أكبر مزود للسلع شبه المدعومة إلى مكتب تشغيل عقاري.
وأحدث تجليات هذا التحول كان الإعلان عن توقيع عقد استثمار لمدة 12 عاماً لتشغيل «مول الأعظمية» في حلب، بقيمة إجمالية 4,5 مليون دولار.
ووفق ما نشرته وزارة الاقتصاد والصناعة عبر قناتها على «تلغرام»، فإن العقد يهدف إلى «إعادة تفعيل المول وتنشيط الحركة التجارية فيه من خلال استثماره... بما يسهم في دعم الأسواق المحلية وتوفير بيئة تسوّق مناسبة للمواطنين».
وتتزامن هذه الخطوات مع أوضاع معيشية شديدة الصعوبة. حيث يبدو الحديث عن «بيئة تسوق مناسبة» منفصلاً عن واقع أن الغالبية العظمى من السوريين غير قادرة أصلاً على الوفاء باحتياجاتها الأساسية.
التقييم المالي
يتألف المول من طابقين، تزيد مساحة كل طابق عن 400 متر مربع، بالإضافة إلى مستودع ضخم تبلغ مساحته أضعاف مساحته الطابقية.
وعند مقارنة قيمة الإيجار الشهري للمول (31 ألف دولار شهرياً) مع إيجارات المحال التجارية في البناء المقابل للمول على سبيل المثال، نجد أن استثمار المتر الواحد في المول لا يتجاوز بضع دولارات شهرياً، بينما يبلغ الإيجار السنوي لمحل تجاري بمساحة 12 متراً 6000 دولار سنوياً؛ أي إن بدل إيجار المتر تتجاوز 41 دولار شهرياً!
هذا التفاوت الكبير في المنطقة نفسها يثير تساؤلات حول آلية التقييم المعتمدة، ومعايير تحديد القيمة الاستثمارية لأصل عام بهذه المساحة والموقع الحيوي!
غياب الشفافية
ربما الأكثر إثارة للقلق في الإعلان هو ما لم يقله؛ فلم تمنّ علينا الوزارة بذكر اسم المستثمر، ولم توضح إذا كانت «الصفقة» تمّت عبر مزاد علني أم تفاوض مباشر، ولم تقدم أي تفاصيل عن بنود العقد أو آليات الرقابة.
ما يطرح بالإضافة إلى ذلك مجموعة من الأسئلة التي تنتظر إجابات واضحة:
- من هو المستثمر «المحظي» وما هي ملاءته التجارية؟
- هل هناك ضمانات تلزم بالصيانة والتشغيل طوال فترة العقد وإعادته لاحقاً صالحاً للاستثمار؟
- كيف ستُستثمر الإيرادات المحققة؟
فما يحدث هو اعتماد كامل على تأجير العقارات كمصدر للإيرادات، ما يعزز النمط الريعي في إدارة المال العام، بدلاً من تطوير أنشطة إنتاجية أو خدمية حقيقية.
إشكالية التحول في دور المؤسسة
بين منطق «تفعيل الاستثمار» كحل لأزمة الاقتصاد والبحث عن الموارد، وبين واقع أن الدولة تتخلى عن دورها الاجتماعي في لحظة هي بأمس الحاجة إليه، تُعيد الحكومة الانتقالية إنتاج أنماط ريع الأصول العامة، وتحول مؤسسات الدولة إلى شركات استثمار، وكل هذا في ظل غياب البديل عن دعم السلع الأساسية!
والمعضلة الحقيقية أن هذا النموذج من «الاستثمار» لا يحقق لا تغييراً اقتصادياً، ولا حماية اجتماعية، ولا شفافية مؤسسية.
والأدهى أن هذا التحول يتم من دون نقاش أو رؤية واضحة لدور الدولة في المرحلة الانتقالية، ما يعيد إنتاج كوارث نموذج السلطة الساقطة؛ حيث يتم التعامل مع الأصول العامة «كغنيمة» تُوزّع بدلاً من التعامل معها كأداة للتنمية.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1270
سارة جمال