حوادث السير في سورية من القيادة المتهورة والبنية التحتية المتهالكة إلى غياب الرادع، فمن المسؤول؟!
رشا عيد رشا عيد

حوادث السير في سورية من القيادة المتهورة والبنية التحتية المتهالكة إلى غياب الرادع، فمن المسؤول؟!

تزايدت حوادث السير في المدن السورية بشكل ملحوظ في مشهدٍ يتكرر يومياً، فهذه الحوادث لم تعد استثناء أو مجرد أخبار عابرة بل تحولت لكارثة وطنية تحصد أرواحاً ومصابين، مما يطرح سؤالاً ملحاً حول سبب هذا التزايد، فهل يعود إلى عوامل فنية وبينوية أم إنه يعكس أنماطاً سلوكية خطِرة ترسخت في ثقافة القيادة لدى بعض السائقين؟

أرقام وإحصائيات رسمية


حسب ما أكد المكتب الإعلامي للدفاع المدني أن فرقه استجابت خلال عام 2025 لأكثر من 3000 استجابة لحوادث مرورية في مختلف المناطق السورية، توفي نتيجتها 176 شخصاً وأُصيب نحو 2500 آخرين بإصابات متفاوتة، في حين سُجلت 614 استجابة منذ الأول من كانون الثاني 2026 وحتى نهاية شهر شباط من هذا العام، ما يعكس استمرار ارتفاع معدلات الحوادث، ولا سيما على الطرقات الرئيسية.
هذه الأرقام لا تمثل سوى جزء من الحقيقة إذ أنها تقتصر على الحوادث التي استجابت لها فرق الدفاع المدني فقط، بينما تبقى أعداد كبيرة أخرى غير مسجلة نظراً لتعدد الجهات التي تشارك في عمليات الإسعاف.
فمثلاً، بتاريخ 4 آذار وقع حادث سير في محافظة طرطوس وأسفر عن وفاة شخصين وإصابة 11 شخصاً.


القيادة المتهورة


خلف هذه الأرقام تتصدر القيادة المتهورة والرعناء قائمة العوامل المفاقمة للمخاطر المرورية، حيث تحولت مخالفات يفترض أن تكون مُدانة قانونياً واجتماعياً إلى سلوكيات يومية يبررها البعض تحت مسمى «الفهلوية» مما ينعكس مباشرة على السلامة في الشارع سواء بالسرعة الزائدة أو التجاوز الخاطئ أو قطع إشارة المرور قبل تبدلها بلحظات، وخاصة من فئات عمرية صغيرة من المراهقين والشباب يقودون السيارات أو الدراجات النارية بسرعات عالية حتى داخل الأحياء السكنية الضيقة دون رقيب ويقومون بحركات استعراضية خطرة في سلوك يعرّض حياتهم وحياة الآخرين للخطر، وما يفاقم الوضع سوءاً أن عدداً كبيراً من هؤلاء لا يملكون رخص قيادة رسمية والتي توقف منحها في تموز 2025، وبالتالي آلاف السائقين يمارسون القيادة دون أي وثيقة تثبت كفاءتهم، وهنا يبرز السؤال حول كيفية السماح لشخص لم تثبت كفاءته بقيادة مركبة قد تتحول لآلية قاتلة في أية لحظة؟!
وفيما يخص الدراجات النارية، فباتت وباءً حقيقياً ووسيلة موت متحركة لكنها سهلة للتنقل اليومي واقتصادية، إذ تشير التقديرات إلى أنها مسؤولة عن 50-60% من مجمل الحوادث بالقيادة المتهورة دون أدنى وسائل الحماية كالخوذ، فمعظم الإصابات تكون بليغة أو حتى مميته نظراً إلى افتقار هذه الآليات لأدنى معايير الأمان عند وقوع أي اصطدام.


بنية تحتية متهالكة


لا يقتصر سبب الحوادث على الخطأ البشري، فالواقع الميداني يعد سبباً رئيسياً يفقد السائق بوصلته، حيث أكد مسؤول البحث والإنقاذ في الدفاع المدني السوري «وسام زيدان»، أن الطرق السريعة والدولية سجلت النسبة الأعلى من الحوادث المرورية ويعود ذلك إلى ثغرات تقنية في البنية التحتية، تتمثل في التفسخات والحفر المفاجئة التي تباغت السائقين على الطرق الرئيسية والسريعة وتؤدي إلى فقدان السيطرة الفوري، كما أن غياب الإنارة والإشارات المرورية في الطرق التي تعتبر «خَطِرة»، كذلك تآكل حواف الطريق وضعف التصريف مما يتسبب بانزلاقات قاتلة خلال المواسم المطرية نتيجة تضرر الطبقة الإسفلتية، أي خلوها من أبسط شروط السلامة المرورية.


الازدحام وزيادة عدد المركبات


شهدت شوارع دمشق ازدياداً ملحوظاً في أعداد المركبات وخاصة السيارات الحديثة والدراجات النارية، مما خلق تحديات جديدة على الطرقات، فهي ليست مصممة لاستيعاب هذا العدد الكبير ولا الحركة المرورية الكثيفة التي تشهدها حالياً مما يؤدي إلى ازدحامات متكررة ويزيد من مستوى الفوضى المرورية في الكثير من المناطق.
كما تعاني المركبات من ضعف في أنظمة السلامة وخاصة مع انتشار المركبات غير المؤهلة فنياً وبالتالي زيادة الأعطال المفاجئة ورفع مستوى المخاطر على الطرق، ناهيك عن ضعف الالتزام بقواعد السير وإجراءات السلامة ما يضاعف احتمالات وقوع الحوادث.


سلطة غائبة ورادع مشلول


في الواقع الحالي يتم تجاوز حتى شرطة المرور وأحياناً الاعتداء على عناصرها، ما يعكس انهيار هيبة الدولة في أرقى تجلياتها، فالرادع القانوني بات شبه غائب والغرامات المالية لا تشكل رادعاً حقيقياً في ظل انفلات أمني مروري شامل.
وإذا كان العنصر البشري مسؤولاً عن نحو 80% من الحوادث وفق بعض الدراسات، فإن المسؤولية الأكبر تقع على غياب النظام الذي يضبط هذا العنصر البشري.


إلى متى؟


الأرواح التي تسقط يومياً ليست مجرد أرقام، بل أمهات وآباء وأطفال وشباب كان يمكن إنقاذهم لو توفر الحد الأدنى من المسؤولية أمام هذا الواقع المرير، فاليوم لم يعد مقبولاً الاكتفاء بالنداءات والتحذيرات، فالواقع يتطلب تحركاً عاجلاً وخطة وطنية متكاملة يمكن الاعتماد فيها على استثمار البيانات الميدانية كأداة إصلاح من خلال الاعتماد على سجلات الاستجابة للحوادث لدى الدفاع المدني كخارطة طريق لوزارة النقل والمرور والجهات الخدمية، حيث تحدد المناطق الأكثر تسجيلاً للحوادث لتوجيه ورشات الصيانة إلى المحاور الأكثر خطورة لتفادي العمل العشوائي، كما العمل على إشراك الفرق الميدانية في عمليات التخطيط المروري وإعادة تأهيل الطرق لضمان استجابة استباقية تعالج العيوب الفنية كالحفر وغياب الإنارة قبل أن تتحول إلى أسباب لحوادث دامية، مع إعادة منح رخص القيادة وتأهيل السائقين، كذلك تفعيل دور الشرطة وحمايتها وصولاً إلى حملات توعية حقيقية لا تكتفي بالشعارات.
فالجهات المعنية اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتحمل مسؤولياتها، فاستمرار هذا النزيف ليس قدراً محتوماً بل نتيجة غياب السياسات الطرقية والمرورية والخدمية المتوازنة والمتوازية، بالترافق مع الفشل والإهمال المتراكم!
فكم من الضحايا يجب أن تسقط حتى تتحرك الضمائر قبل الآليات الرسمية؟!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1269