جوع باسم السوق وخراب باسم الإصلاح.. «الانتقال» يتحوّل إلى عقوبة جماعية في سورية

جوع باسم السوق وخراب باسم الإصلاح.. «الانتقال» يتحوّل إلى عقوبة جماعية في سورية

بعد سقوط سلطة الأسد، كان السوريون ينتظرون ما هو أكثر من تغيير الأسماء والوجوه. كانوا ينتظرون رؤية اقتصادية واضحة تُنقذ ما تبقى من مجتمع مُنهك، وتعيد تعريف العدالة بعد سنوات طويلة من الاحتكار والفساد والتفقير المنهجي. لكن ما قُدِّم حتى الآن ليس برنامجاً، بل عنواناً فضفاضاً: «السوق الحر التنافسي». عنوان بلا خريطة، بلا مؤسسات، بلا ضمانات. والأسوأ: بلا عدالة.

السوق الحر، ليس تعويذة سحرية تُتلى فوق أنقاض اقتصاد مدمر فيقوم معافى.
السوق الحر، يُفترض أنه منظومة قانونية ومؤسساتية قبل أن يكون شعاراً أيديولوجياً. يحتاج إلى قضاء مستقل، وهيئات ضبط ومنافسة، ونظام ضريبي عادل وتصاعدي، وشبكات أمان اجتماعي تحمي الأضعف. أما حين يُختزل في رفع الدعم، وتحرير الأسعار، وتقليص الإنفاق العام، فهو لا يصبح سوقاً حرة، بل ساحة مفتوحة للأقوى والأكثر نفوذاً.
ما يُمارس اليوم، بحكم الأمر الواقع، هو تقشفٌ قاسٍ في اقتصاد منهك أصلاً. تقشفٌ لا يطال شبكات المصالح واقتصاد الظل، بل يهبط بثقله على كتف الموظف، والعامل، وصاحب الدخل المحدود، والنازح، والمتقاعد. تُرفع الأسعار باسم «التصحيح»، وتُخفض الخدمات باسم «الإصلاح»، ويُطلب من الفقير أن يتحمل عبء «الانتقال» وكأن الانتقال قدر لا يُحاسب عليه أحد.
أي منطق اقتصادي هذا الذي يضغط على الاستهلاك في مجتمع بالكاد يستهلك؟
أي عقل إصلاحي يرى أن تقليص الإنفاق الاجتماعي في لحظة انهيار هو الطريق إلى التعافي؟
الاقتصاد ليس أرقاماً في جداول، بل حياة يومية: خبز، دواء، تعليم، نقل، كهرباء. وعندما تُترك هذه الحاجات لرحمة سوق غير منظم، فإن النتيجة ليست منافسة، بل احتكار مقنع.
في غياب خطة معلنة بشفافية، تتضخم الشكوك. لا أحد يعرف الأولويات الزمنية، ولا مصادر التمويل، ولا آليات الحماية الاجتماعية، ولا كيف ستوزع الأعباء.
فالغموض ليس سياسة. والصمت ليس إصلاحاً.

وحين تُدار المرحلة الانتقالية بلا وضوح، فإن الرسالة الضمنية، هي أن القرارات تُتخذ في غرف مغلقة، وأن المجتمع مجرد متلقٍ للنتائج.
الأخطر من ذلك، أن اقتصاد الظل، الذي نما في سنوات الحرب والأزمة، يجد في هذه الفوضى بيئة مثالية.
فحين تضعف الرقابة، وتتآكل الخدمات العامة، ويُرفع الدعم بلا بدائل، تتوسع المساحات غير الرسمية.
ومن يدفع الثمن؟ العامل النظامي، وصاحب المشروع الصغير الملتزم، والموظف الذي لا يستطيع الهروب من الاستقطاعات. أما من اعتاد العمل خارج القانون، فيزدهر.
ليست المشكلة في فكرة السوق بحد ذاتها، رغم كل ما يمكن إيراده من ملاحظات هنا، ولا في ضرورة الإصلاح المالي. المشكلة في ترتيب الأولويات.
فلا يُبنى اقتصاد منتج عبر تجفيف القدرة الشرائية للناس.
ولا تُستعاد الثقة عبر تحميل الفقراء كلفة «التوازنات».
فالعدالة الانتقالية ليست سياسية فقط، إنها أيضاً اقتصادية. وإذا لم يشعر الناس بأن المرحلة الجديدة توزع الأعباء بعدل، فإن الشرعية نفسها تصبح موضع سؤال.
كان يمكن للسلطة الانتقالية أن تبدأ بخطوات مختلفة:
برنامج إنعاش قصير الأمد يركز على التشغيل السريع.
دعم مباشر للأسر الأشد فقراً.
حماية للقطاعات الإنتاجية (الزراعة، والصناعة- عام، وخاص)، الصغيرة والمتوسطة، ومتناهية الصغر.
إصلاح ضريبي يوسّع الوعاء بعدالة بدل زيادة العبء على الملتزمين.
إعلان موازنة شفافة تُناقش علناً.
وإشراك خبراء مستقلين في صياغة السياسات.
كان يمكن أن تقول للناس ببساطة: هذه خطتنا، وهذه تضحياتها، وهذه ضماناتها. لكنها لم تفعل!
الانتقال ليس اختبار قدرة الناس على الاحتمال. إنه اختبار قدرة السلطة على الإنصاف. والسوق الحرة، إن لم تُحط بسياج العدالة والمؤسسات، تتحول إلى حرية للقوي في أن يبتلع الضعيف.
لقد دفع السوريون أثماناً باهظة خلال سنوات الاستبداد والحرب والانهيار. ولا يجوز أن يُطلب منهم اليوم أن يدفعوا ثمن الغموض أيضاً.
المطلوب ليس خطاباً اقتصادياً منمقاً، بل برنامجاً واضحاً، معلناً، وقابلاً للتنفيذ والمساءلة.
المطلوب ليس تقشفاً أعمى، بل إصلاحاً عادلاً.

والمطلوب قبل كل شيء الاعتراف بأن الكرامة الاقتصادية جزء لا يتجزأ من أي تحول سياسي حقيقي.
فإما أن تكون المرحلة الانتقالية بداية عقد اجتماعي جديد، أو تتحول إلى إعادة إنتاج للأزمة نفسها، لكن بشعارات مختلفة. والناس لم تُضحِّ بكل شيء كي تحصل على شعارات.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1266