المواعظ الوزارية... هل تُدار الأسواق بخطبة رمضانية؟

المواعظ الوزارية... هل تُدار الأسواق بخطبة رمضانية؟

في اليوم الأول من رمضان، اختار وزير الاقتصاد والصناعة أن يطلّ على السوريين بمنشور فيسبوكي أقرب إلى خطبة جمعة منه إلى بيان حكومي. لغة روحانية، استدعاء للشهداء، مناشدة للضمائر، وتذكير بأن «قوت الناس أمانة». كلام جميل، مؤثر، ومشحون بالعاطفة... لكن السؤال البسيط الذي يفرض نفسه: هل هكذا تُدار الأسواق؟

نحن لا نقلل من قيمة الوعظ. الأخلاق مطلوبة، والتكافل فضيلة، والتاجر الصالح مكسب للوطن. لكن وزارة الاقتصاد ليست جمعية دعوية، ولا مؤسسة إرشاد روحي. وظيفتها ليست تليين القلوب، بل تقويم السلوك عبر القانون.
فالسوق لا ينضبط بالمواعظ، بل بالرقابة. والأسعار لا تنخفض بالدموع، بل بقرارات واضحة وآليات تنفيذ صارمة.
حين يناشد الوزير التجار أن «يحكّموا وجدانهم في التسعير»، فهو يفترض أن المشكلة أخلاقية فقط.
وكأن التضخم سببه قسوة القلب لا خلل البنية!
وكأن الاحتكار نتيجة غياب التأثر بالشهر الفضيل لا غياب الردع!
والحقيقة المؤلمة أن من يرفع الأسعار بلا مبرر لن يردعه منشور، مهما كان بليغاً. والذي تحكمه حسابات الربح والخسارة لا يغير سلوكه إلا إذا تغيّرت معادلة الكلفة والعقوبة.
الأدهى من ذلك أن الخطاب ينقل العبء ضمنياً من الدولة إلى التاجر: «ضميركم هو الشريك الحقيقي». جميل. لكن:
أين أدوات الوزارة؟
أين خطط ضبط الأسواق؟
أين نشر بيانات التكلفة وهوامش الربح؟
أين العقوبات المعلنة بحق المحتكرين؟
أين نتائج الجولات الرقابية بالأرقام لا بالنيات؟
الاقتصاد الحر الذي تحدث عنه الوزير ليس اقتصاد «الرجاء». هو اقتصاد يفترض أن تحكمه قواعد واضحة للمنافسة، وتشرف عليه مؤسسات قوية، وتطبّق فيه القوانين بلا تردد.
فالحرية الاقتصادية مسؤولية، نعم، لكنها مسؤولية الدولة أولاً في حماية الإطار الناظم. أما ترك السوق ليُدار بالتذكير الأخلاقي، فهو أقرب إلى التمني منه إلى السياسة العامة.
ثم إن ربط العدالة في التسعير بذكرى الشهداء، رغم رمزيته المؤثرة، يطرح إشكالية أخرى:
هل نحتاج إلى استحضار الأرواح كي نحصل على سعر عادل؟
أليس من المفترض أن العدالة في السوق واجب قانوني يومي، لا مبادرة موسمية في رمضان؟
فالعدالة لا تُستجدى باسم التضحيات، بل تُفرض باسم الدستور والقانون.
الناس لا تنتظر من وزارة الاقتصاد خطاباً مؤثراً، بل إجراءات ملموسة. ولا تريد استعطافاً، بل حماية. ولا تريد أن يُقال للتاجر «اتقِ الله»، بل أن يُقال له «هذا هو السقف، وهذه هي العقوبة».
فحماية المستهلك لا تتحقق بالتوسل إلى الضمير، بل ببناء منظومة رقابة فعالة، شفافة، ومعلنة النتائج.
رمضان شهر رحمة، نعم. لكن السوق ليس زاوية وعظ. والدولة ليست واعظاً عاماً. إن كان الوزير يريد أن يخاطب القيم، فليخاطبها مقرونة بقرارات تنفيذية واضحة، وجداول زمنية، ومؤشرات أداء. أما الاكتفاء بخطاب وجداني في أول يوم من الشهر، فذلك يمنحنا مشهداً بلاغياً جميلاً... وسوقاً على حاله.
باختصار، الموعظة قد تحرّك المشاعر، لحظياً، لكن السياسة من واجبها أن تحرّك الواقع وتضبطه بشكل مستدام. والسوريون اليوم بحاجة إلى الثانية أكثر من الأولى.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1266