«الباركود...» وهم الشفافية في زمن العتمة الاقتصادية!
تعيش الأسواق السورية حالة من «الفلتان» تحت وطأة ارتفاع جنوني للأسعار، جعل من رحلة المواطن اليومية لشراء كيلو بندورة أشبه بمغامرة غير مضمونة النتائج، ومبادرات مثل «الترميز» للمحال التجارية هي محاولة لستر عورة الواقع المؤلم بغطاء رقمي، وكأن التحديث التقني يخفي الحقيقة المرّة.
في هذا المشهد اليومي البائس، حيث تتفكك القدرة الشرائية كما ينفكّ عقد الخرز، يجد
المواطن نفسه وحيداً تماماً في مواجهة جحيم السوق.
حرية التاجر... موت المستهلك!
في ظل غياب رقابة حقيقية، تحولت الأسواق إلى غابة مفتوحة، يتعامل فيها التاجر مع أسعاره حسب «المزاج». فالتفاوت الصارخ في السعر بين محل ومجاوره لم يعد يحتمل تفسيرات منطقية، بل أصبح دليلاً على انهيار رقابي، وانسحاب كامل للتموين والدولة معاً.
حيث أصبح الاستغلال هو القاعدة، والبحث عن سعر «أقل ظلماً» هو الرياضة اليومية للمواطنين.
وفي محاولة تبدو يائسة لمواكبة العصر، أو لخلق انطباع بوجود حراك مؤسسي، أطلقت مديرية التجارة الداخلية «وحماية» المستهلك مبادرة «ترميز المحال التجارية». وللوهلة الأولى قد تبدو الفكرة تقنية ومتطورة: شفافية، تقييم، شكاوى إلكترونية.
لكن ما يقوله القرار: إننا يا مواطن غير قادرين على ضبط السعر ولا حماية قوتك، لكننا نقدم لك «لاصقة باركود (رمز)» على باب المحل. ومن الآن فصاعداً، أنت لست مجرد زبون، أنت مراقب وعنصر ضبط وشرطي تموين. أما جوعك وقوت يومك فهذه مشكلتك!
توكيل المواطن بالرقابة!
إن تحميل المواطن الذي يعاني لتأمين لقمة العيش مسؤولية الرقابة على السوق، أقرب إلى مأساة حقيقية تتوشح بقناع شعبوي برّاق.
بل إن نقل عمل الدولة إلى المواطن هو بمثابة اعتراف ضمني بالعجز؛ فالرقابة لا تستطيع ضبط الجشع، لكن المواطن يستطيع أن يرسل للتاجر تقييماً بنجمة أو اثنتين!
كما أنه تهرب من المسؤولية؛ فالدولة تتنحى عن دورها الحيوي على أرض الواقع وتتحول إلى منصّة تكنولوجية.
فيما المواطن السوري اليوم لا يحتاج إلى «تقييم» المحل عبر الباركود، بل يحتاج أن يدخل المحل ويشتري بأسعار لا تستفز موتاه قبل أحيائه. فمشكلته الحقيقية ليست في معرفة بيانات صاحب المحل، بل في أن بضاعة المحل أصبحت خارج متناول يده.
باركود على جبين السوق، ودمعة في عين المواطن
هذه ليست مجرد أزمة أسعار؛ فما تشهده الأسواق هو انهيار شامل للعلاقة بين الدولة والمواطن في أبسط حقوقه، أي الحق في سلعة متاحة بسعر عادل.
فتحول أدوات التكنولوجيا إلى «مسكنات وهمية» لجراح الغلاء العميقة، بينما تظل الأسواق ساحة صراع مفتوحة بين جوع المواطن وطمع التاجر وتخلّف الرقيب عن دوره، هو بصراحة مفارقة ساخرة تُثير أقصى درجات الغضب!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1266
سارة جمال