«يوتوبيا» المدينة الجامعية أشبه بمأوى من العصر الحجري أمام واقع الخدمات المتردي!
منية سليمان منية سليمان

«يوتوبيا» المدينة الجامعية أشبه بمأوى من العصر الحجري أمام واقع الخدمات المتردي!

من اللافت عند دخول السكن الجامعي في منطقة المزة في دمشق، الجهود المبذولة والتكلفة الباهظة لتجميل الحدائق والممرات الخارجية والإنارة لتشعر لوهلة أنك تقف في مكان سياحي خارج الخارطة المحلية، لكن كما عودتنا الحكومات المتلاحقة «ألا نحلم كثيراً... فما خفي أعظم»!

فهذه الخدعة البصرية قد تشتت الانتباه عن الأبنية المتهالكة من الخارج لكنها لا يمكن أن تغطي الإهمال الكبير داخل الوحدات السكنية التي قُدمت على أنها الملاذ الآمن لآلاف الطلاب الوافدين إليها من مختلف المحافظات السورية.
فما يتم تداوله عن حال السكن في بعض الوحدات السكنية في دمشق وواقع الخدمات شبه المعدومة فيها ليس سوى نموذجٍ مصغرٍ يمكن تعميمه على وافع المدن الجامعية في دمشق وغيرها من المحافظات مع فروقات طفيفة، لن تترك أثراً إيجابياً بالطبع!


الواقع الخدمي


يعاني طلبة السكن الجامعي في دمشق وفي المحافظات الأخرى على حدٍ سواء من منظومة خدمات متردية، فلا المياه نظيفة (من الخزانات الملوثة) ولا الحمامات صالحة للاستخدام كما المياه الساخنة محدودة. فالنظافة، تلك المفردة التي لم يلمسها الطالب أمام تراكم القمامة والأوساخ وما ينتج عنه من انتشار للأمراض والحشرات (كالجرب وبق الفراش).
ناهيك عن التمديد الكارثي لشبكات المياه، حيث إنه في جميع الوحدات والمطابخ تقريباً هناك صنابير خارجة عن الخدمة، وتتسرب المياه منها.
أما شبكات الصرف الصحي، فهي تشبه أي شيء إلا كونها شبكات، فلا نظافة ولا صيانة، حيث إن مياه الصرف الصحي تجري في الحمامات عدا عن الروائح الكريهة التي تفوح على بعد عشرات الأمتار، مما جعلها ملعباً للفئران والجرذان!
بينما التمديدات الكهربائية في الغرف المخصصة للطلاب سيئة جداً وهذا الأمر ليس جديداً بل قديم جداً ويشهد الطلاب بين الحين والآخر احتراق الغرف بسبب الماس الكهربائي فيها وليس عن إهمال من قبل الطلاب، أما التدفئة فباتت من الرفاهيات، علماً أن واقع الكهرباء تحسن بشكل كبير جداً لكن الوعود بالصيانة والإصلاح لا تتجاوز إطار الوعد!
وعليه، فكيف للطالب الذي يشعر بالبرد بل ويمرض من البرد وقلة النظافة في ظل استمرار الظلم في توفير أبسط مقومات الحياة، أن يدرس وينجح كي يبني مستقبله؟!


غرف مكتظة والمحسوبيات لم تمت بعد!


يتم توزيع الطلاب على الغرف وفق مبدأ (الدور) الذي تُقلب فيه الأولويات رأساً على عقب ويصبح الأخير في الأول وهكذا دواليك، وعندها تبدأ المفاهيم الأخرى المتعارف عليها بالظهور (الوساطات، المحسوبيات والرشوة) على مبدأ «معك قرش بتسوى قرش» ومنافذ النهب والفساد يبدو أنها لا تموت بتبدل السلطات على مر السنوات!
ومن يملك (مالاً أو ظهراً مسنوداً) يكون له الأولوية والأحقية، وعليه يكون التوزيع بشكل غير عادل وغير منطقي ويظهر صنف غرف الـ VIP من حيث العدد والخدمات (خمس نجوم) مقابل غرف أخرى مهمشة يكون فيها ما لا يقل عن 6 أو 8 طلاب.
إنها معادلة عكسية للعدالة الاجتماعية، فالطالب المفقر الذي اُستحدث السكن الجامعي من أجله يدفع ثمناً مضاعفاً مرة بالاكتظاظ والإهمال ومرة عبر غياب مبدأ تكافؤ الفرص وسيادة «البقاء للأقوى وله أن يتنعم بالخدمات»!


هيئة مستقلة لخدمة من؟!


وفق القانون 29 لتنظيم المدن الجامعية، تعتبر هيئات مستقلة مالياً وإدارياً تحصل على اعتماداتها المالية من موارد ذاتية كبدل السكن الجامعي (240 ألف سنوياً وعملياً 8 أشهر فقط) فهو لم يعد رمزياً أمام أعباء لا تعد ولا تحصى تثقل كاهل الطالب المفقر أساساً، ومن الاستثمارات (متاجر، كافيتريات، مكتبات، أكشاك وغيرها) الموجودة داخل حرم المدينة الجامعية والتي ما زالت قائمة وبرز الجديد منها حسب ما أكده الطلاب.
وهذا يطرح السؤال الأكثر إلحاحاً: أين تذهب العائدات أمام واقع الخدمات السيّئ الذي يُفترض أن ينعكس تحسناً على الطالب؟!
علماً أن أسعار الطعام والشراب وغيرها من الخدمات الأساسية من هذه المحال مرتفعة، أي استغلالاً واضحاً للطالب في ظل غياب شبه تام لدور الرقابة لتبقى الساحة مفتوحة لعملية النهب والفساد المهيمنة، يتنافس فيها المستغلون على تقديم الخدمات الأسوأ للطالب المجبر على التأقلم معها وتحمل رداءة الوضع أو التخلي عن الدراسة والعزوف عن التحصيل العلمي!


المادة الثالثة


تنص المادة الثالثة من قانون تنظيم المدن الجامعية على الهدف من إقامة السكن الجامعي «تأمين سكن لائق وآمن بكفاءة عالية وفاعلية لطلاب الجامعات وذلك وفق الأسس والمعايير التي يضعها مجلس الإدارة» لكن واقع الحال أفقد النص القانوني شرعيته وموثوقيته أمام آلية التنفيذ، فالسكن الجامعي تحول إلى مكان غير صالح للسكن البشري، فإننا لا نواجه أزمة خدمات فحسب، بل فلسفة أعمق في كيفية النظرة الرسمية للإنسان، فهي حولت جوهر المادة أعلاه لحبر على ورق علماً أنها اعتراف واضح بأن التعليم لا يكتمل بلا عيش كريم والعقل لا يمكنه أن يبدع والجسد يعاني.
فهذا المشروع الخدمي الاجتماعي الذي أُحدث من أجل الغالبية المفقرة من الطلاب الجامعيين فقد جوهره الأساسي في ظل استمرار توحش السياسات الليبرالية يوماً بعد أخر والتي بسببها لن يكون للمفقرين أية حقوق، فالمطلوب ليس مجرد جولات ميدانية للاطلاع على واقع الحال في المدن الجامعية رغم العلم التام من الجهات المعنية (إدارات السكن ووزارة التعليم العالي والحكومة) بتردي الواقع الخدمي فيها والذي يتطلب خطة وطنية شاملة لا ترقيعاً وتجميلاً وعيادة نفسية ومكتب شكاوى بل حلولاً مستدامة لا وعوداً خُلبية بل نهوضاً بواقع الخدمات في السكن الجامعي من جذوره.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1266