مشاهدات في معرض دمشق الدولي للكتاب بدورته الأولى بعد سقوط الأسد
يُمثّل معرض دمشق الدولي للكتاب حدثاً ثقافياً بامتياز، بل وأهم حدث ثقافي سنوي، لكنه في الوقت ذاته كان مرآة عاكسة لواقع المرحلة الانتقالية بكل تناقضاتها: صراع بين تغييب الخبرة ووجودها، وبين الخطاب الرسمي والواقع المُعاش، وبين الحلم بالحرية والضبط الذاتي.
حيث يُظهر المشهد الأول تناقضاً صارخاً بين وجود طاقات وخبرات مذهلة، مقابل لجنة منظمة يبدو أنها تفتقر إلى أدنى دراية بتنظيم المعارض. ما يعكس غياب التخطيط التشاركي؛ ويبدو وضوحاً تجاهل الخبرات المتراكمة الموجودة في سوق النشر السوري.
بالإضافة إلى تجاهل اللجنة للشكاوى أو عدم الاستجابة مع بعض المطالب التنظيمية، ما يعيد إنتاج سلوكيات إدارية قديمة، ويشكل عائقاً أمام نجاح أي فعالية رغم تغير السياق السياسي.
أمَّا حضور وزارة الثقافة الهزيل بجناحها «شبه الفارغ» فقد كان صادم هو الآخر؛ فالجناح يكاد يخلو تماماً من الإصدارات الغنية والمتنوعة، فيما آثرت الوزارة الاكتفاء بوضع عبارة «طبق الكرامة» داخل جناحها!
والأكثر إيلاماً هو غياب جامعة دمشق، أكبر صرح أكاديمي في البلاد، عن المعرض؛ ففي الوقت الذي تتغيب فيه الجامعة وإصداراتها المهمة، يتم استعراض إصدارات كتبها القديمة في خيمة «الحرية» وهي «مشنوقة» بالحبال. في مشهد استفزازي– لا يمت للإبداع في التصميم بصلة– يعكس حالة القطيعة بين المؤسسة الأكاديمية الرسمية والمشهد الثقافي الجديد، ويطرح تساؤلاً عن مكانة العقل الأكاديمي في المرحلة القادمة.
صحيح أيضاً أن التغيير أزال الرقيب الرسمي، لكنه لم يبدد مخاوف الناشر الذي مارس «رقابة ذاتية»، فالحرية موجودة لكنها «شكلية» لأن حدودها غير واضحة بعد، وربما كان ذلك سبب تسجيل غياب العديد من دور النشر العريقة عن هذا الحدث.
وفي سياق الإقبال، تبدو الأرقام الرسمية نفسها متضاربة، فمدير المؤسسة السورية للمعارض، محمد حمزة، وثّق زيارة أكثر من 900 ألف شخص، أما وزارة الثقافة فتتحدث عن 1,29 مليون زائر. ومهما كان عدد الزوار، فالنجاح الجماهيري لا يعني بالضرورة نجاحاً ثقافياً.
فالظروف المعيشية المتدنية حولت عدداً لا بأس به من الزوار من (قارئ- مستهلك) إلى (سائح- متفرج). وأصبح المعرض فضاءً عاماً للنزهة أكثر منه سوقاً للكتاب. ولا سيما في ظل محدودية الدعم الحكومي للمعرض، وبالأخص وزارة الثقافة وجامعة دمشق، واقتصاره على كوبونات وزّعت عبر كلٍّ من وزارة الأوقاف ووزارة الثقافة، قبل أن يتم إعفاء الناشرين من أجرة الأجنحة، نتيجة «خطأ تقني».
حيث استلم جميع الناشرين قبل بداية المعرض بريداً يفيد بأنه تم تسديد أجور الأجنحة، وعللت وزارة الثقافة هذا البريد بأنه خطأ إداري، ما دفع بالناشرين للاعتراض بسبب الحسومات الكبيرة التي قُدمت بناءً على بريد الوزارة.
يمكن النظر إلى هذا المعرض بكل تناقضاته باعتباره «نتاجاً» لمرحلة انتقالية تحمل في أحشائها نقيضها. فهو من ناحية يمثل خطوة إيجابية بتنوع عناوين الكتب النسبي وغياب الرقيب العلني، لكنه من ناحية أخرى يعيد إنتاج ممارسات قديمة في بعض النقاط، منها سوء التنظيم، والمركزية، والفجوة بين الخطاب والواقع، تحت وطأة الظروف الاقتصادية الصعبة وغياب الرؤية.
باختصار، جاء المعرض مشوشاً كما هو واقع سورية، رغم ما شكله من بداية ضرورية، وربما خطوة أولى على طريقٍ طويل من «التعلم من الأخطاء».
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1266