الموارد المائية ومشروع تحلية مياه البحر... الضروري والاستراتيجي
هل فكرت الحكومة الانتقالية بالاستفادة من أكثر من مليار متر مكعب من المياه التي تذهب هدراً إلى البحر في كل عام في المناطق الساحلية بإقامة السدات والسدود ومشاريع الري ومياه الشرب؟
هل فكروا في استثمار الينابيع العذبة البحرية، التي حُددت بالمسح الجوي الحراري في الهيئة العامة للاستشعار عن بعد عام 1998؟
وماذا عن إهمال استثمار الينابيع العذبة الغزيرة، مثل السن، والدريكيش، والخوابي؟
هذا جزء من التساؤلات التي طرحها الخبير الجيولوجي د. محمد رقية عام 2021، ونشرتها قاسيون في 11 آب 2024.
ولا يُعاد طرح هذه التساؤلات وغيرها اليوم على ضوء الاتفاق الجديد مع شركة «أكوا باور» السعودية لتحلية مياه البحر، من باب الرفض المطلق للمشروع بحد ذاته. فالمشروع ليس وليد اللحظة، بل هو فكرة قديمة أعيد إحياؤها في سياقات مختلفة وعبر فترات زمنية متباعدة، ويمكن أن يصبح ركيزة أساسية ضمن استراتيجية الأمن المائي.
ولكن ما هي الأولويات؟
فمشروع تحلية مياه البحر يُعد من المشاريع العملاقة التي تتطلب استثمارات ضخمة وزمناً تنفيذياً طويلاً، وفي المقابل يتم إهمال أو تأجيل مشاريع إعادة التأهيل والصيانة التي ستحقق نتائج ملموسة في وقت أقصر وبكلفة أقل.
فالمقارنة بين كلفة تقليل الفاقد في شبكات المياه، الذي يصل إلى 40% في بعض المدن، ولا سيما دمشق، وكلفة إنشاء خط أنابيب جديد بطول 300 كيلومتر، تضع المشروع أمام اختبار الجدوى الحقيقية.
فمن البديهي أن يكون التركيز على تقليل الفاقد هو الخيار الأجدى اقتصادياً والأسرع نفعاً، حيث إنه يعالج المشكلة ويضمن الاستفادة القصوى من الموارد المتاحة. ولا سيما وأن مشروع مؤسسة «جايكا» اليابانية على سبيل المثال، والمطروح في عام 2016، لإعادة تأهيل أنفاق جلب المياه، وزيادة عمرها الفني إلى 50 عاماً، ورفع مقاومتها للحمل الزلزالي، وتأهيل شبكة مياه الشرب في دمشق، لا يزال حبيس الأدراج.
ساحلٌ غني وعطش مزمن
تمثل الينابيع الغزيرة والعذبة في الساحل ثروة مائية لا يُستهان بها، تغذيها الهطولات المطرية. ولكن الواقع يشير إلى إهمال واضح ومزمن في استثمارها، حيث تذهب كميات كبيرة من مياه الأمطار كل عام إلى البحر من دون الاستفادة منها عبر آليات حصاد المياه.
وهذه إشكالية حقيقية في إدارة الموارد المائية، ويثير التساؤلات حول الأسباب وراء التوجه إلى الحلول الأكثر تعقيداً وتكلفة، قبل استنفاد الحلول الأسهل والأكثر استدامة.
خاصة وأن المنطقة المصدّرة للمياه، أي الساحل السوري، تعاني أصلاً من شح وتفاقم مشكلات الجفاف، وتفتقر إلى مشاريع فعالة لاستثمار مواردها المحلية.
ما يعكس أهمية ربط قضية استثمار الموارد المائية برؤية تنموية شاملة ومستدامة؛ فالبديل لا يكمن في حرمان دمشق أو غيرها من المحافظات من المياه، بل في تبني استراتيجية متكاملة، تضمن العدالة في التوزيع، وتحد من الهدر.
السيادة والشفافية والحلول «المتواضعة»
تحمل مشاريع تحلية المياه مع شركات كبرى مثل «أكوا باور» وهَجاً استثمارياً وتقنياً، وتعد بفرص عمل وتنمية. كما أنها تقدم حلاً طويل الأمد لمشكلة هيكلية.
ولكن بشرط ألا يكون على حساب حلول أكثر جدوى وإلحاحاً؛ فالأولوية الاقتصادية والاجتماعية تقتضي البدء بإعادة تأهيل البنى التحتية الحالية، واستثمار الموارد المحلية المهملة (ينابيع الساحل، والينابيع البحرية، وبناء السدود)، وترشيد الاستهلاك وإدارة الطلب، بالإضافة إلى المطالبة بالحقوق المائية التاريخية.
وبعد استنفاد هذه الحلول «المتواضعة»، يمكن النظر إلى المشاريع الكبرى كاستكمال ضروري وليس كبديل مكلف ومبهر.
والأهم أن جوهر العقد الاجتماعي والاقتصادي السليم يبدأ بوضع المشاريع الكبرى والاستراتيجية ضمن إطار شروط وطنية صارمة. وهذا يتطلب السيادة على الموارد والمنشآت؛ فالحفاظ على الملكية الكاملة للدولة هو ضرورة قصوى لضمان تحكم الدولة في الإنتاج والتوزيع.
بالإضافة إلى الشفافية المطلقة ووجود رقابة شعبية مستقلة؛ فأي مشروع بهذا الحجم يجب أن يكون تحت المجهر. كما لا يمكن الاكتفاء بدور «المستهلك» بل يجب أن تكون الاتفاقية أداة لبناء قدرات وطنية تدير المنظومة وتستبعد تحول الشراكات الاستراتيجية إلى أداة ضغط أو تبعية تقنية.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1266
سلمى صلاح