مشفى الأطفال الجامعي في دمشق يلزمه عناية مشددة...!
رشا عيد رشا عيد

مشفى الأطفال الجامعي في دمشق يلزمه عناية مشددة...!

يد أمّ تتحول إلى جهاز تنفس بشري تضغط عليه دون توقف ليبقى طفلها على قيد الحياة لأنه ما من منفسة شاغرة، مشهٌد لم يكن قبل أشهر فقط، بل في الأمس القريب، وتكرر منذ أعوام، وسيتكرر غداً، وربما لن يكون الأخير في مشفى الأطفال الجامعي في دمشق ما لم يتحول تأمين العلاج فيه إلى سياسة ثابتة وبتمويل مستدام لا مجرد قرارات مرهونة بالكم والوقت، والأهم بتوفر الاعتمادات!

عام مضى والمعاناة تتجدد...


جرى الحديث العام الفائت من قبل المعنين (وزارة الصحة والتعليم العالي) عن موروث لقطاع صحي منهار وتراكمات ناتجة عن تقصير سلطة النظام البائد، وانهال بعدها سيل الوعود لتدارك العجز بالدعم الحكومي والتعويل على المحلي والدولي أيضاً، معلنة إلغاء الاستجرار المركزي في شهر آب العام الفائت من باب تسريع التوريد، لكن اليوم تتجدد معاناة المرضى وذويهم، فما زالت الحاضنات والمنافس حلماً بعيد المنال، وما زالت هذه الجملة الموجعة تتردد على المسامع: «ما باليد حيلة، عليكم الانتظار»، فالعجز ليس وليد اللحظة لكن تكراره بهذه الصور المأساوية يؤكد أن تأمين المستلزمات الطبية أو الأدوية الذي جرى في الآونة الأخيرة لم يكن سياسة جادة ومستدامة بل مجرد مسكنات مؤقتة انتهى أثرها بانتهاء الضجة الإعلامية، هكذا يبدو الحال عندما تتحول آلام المرضى ومعاناتهم وتأمين أبسط حقوقهم في العلاج إلى بهرجة إعلامية للظهور فقط!


الأرصفة مُفترشة والأعباء تتضاعف!


هم لم يختاروا المشفى بل عدم وجود البديل في مدنهم وبلداتهم وضعهم أمام أبوابه التي تعبق من خلفها رائحة الألم، فبين ممراتها ومن أمامها تفترش العائلات الأرصفة أو تنتظر في الحدائق القريبة حفاظاً على حق أبنائها في العلاج، ولتأمين الأدوية والمستلزمات الطبية من الصيدليات الخارجية، أو لإجراء التحاليل عند طلبها، فاليوم لم يعد هناك نقص حاد في الأجهزة والمواد الأساسية والأدوية داخل المشفى، لأنها لم تعد موجودة أساساً، فمع مرارة الانتظار يتحمل الأهالي عبء التكاليف المرتفعة التي تضعهم تحت رحمة المستغلين وتجار الأزمات من بعض الصيادلة، فهذا «تمويل للمشفى لا علاج!».
وفي حال التذمر أو الاعتراض، تحت ضغوط معيشية واقتصادية خانقة، يُتحفك البعض من الكادر الإداري والطبي بهذه الكلمات: «إذا مو عاجبك خود ابنك وامشي، وهاد كله ما بساوي تكلفة ليلة واحدة في المشافي الخاصة»، هذا ما أكده أب ينتظر منذ قرابة الشهر لاستكمال علاج طفله، كصورة مختصرة وموجعة لكرامة تُنتزع باسم البقاء!


كفاءات بلا إمكانيات


رغم مرارة الحال، يعترف معظم الأهالي الذين التقيناهم بأن الكادر الطبي على مستوى عالٍ من الكفاءة رغم محدودية عدده، وأنه يعمل بدافعٍ إنساني وأخلاقي يفوق طاقته، فهم يبذلون جهوداً مضاعفة ويقفون أمام قراراتٍ صعبة تُجبرهم على المفاضلة بين الحالات وفق معيار الخطورة أمام شح الإمكانيات، مما يضعهم تحت ضغوط قاسية لا تُحتمل.
والشيء بالشيء يذكر، تجدر الإشارة إلى أن هناك شكوى عامة من الأطباء المقيمين العاملين في المشافي الحكومية الجامعية عن التأخر في صرف مستحقاتهم لشهرين ماضيين، وذلك حسب ما ذكرته صحيفة «الوطن» بتاريخ 10/2/2026.


أين المشفى من الأولويات؟!


في كانون الثاني 2026، جرى الحديث عن شراكات دولية وافتتاح مراكز وتجهيز مشفى الرقة مثلاً بـ 20 جهازاً لغسيل الكلى، كما خط إنتاج للأملاح الصيدلانية، كلها إجراءات مطلوبة ومهمة، لكن الأولوية الأكبر لمشفى الأطفال (على اعتبار أنه المشفى المركزي الوحيد لعلاج أمراض الأطفال وتشخيصها) غابت، ولا حصة له من الاتفاقيات، ولا حتى في النوايا الرسمية.
والمطلوب، خطة وطنية شاملة تبدأ من تأهيل البنية التحتية وتوفير المستلزمات والأدوية وصولاً إلى استحداث مشافٍ مشابهة في المحافظات لتخفيف الضغط عن المشفى الوحيد المتخصص الموجود في العاصمة.
كذلك يجب زيادة الإنفاق الصحي على المشافي الحكومية العامة وزيادة خدماتها، فالاحتياجات لا تغُطى بالاعتماد على الموارد المالية الذاتية للمشفى لتأمين بعض المستلزمات المحدودة نوعاً وكماً، فالتوريد الأساسي مركزي ويتطلب تنسيقاً وتكاتفاً الجهود بين وزارتي الصحة والتعليم العالي والحكومة.
فالسوريون بمستويات دخلهم المحدودة، وربما المعدومة، لا قدرة لهم على دخول المشافي الخاصة وتحمل نفقاتها وهم بأمس الحاجة لزيادة حصتهم من المال العام المخصص للإنفاق على الصحة العامة.
وهذه مسؤولية رسمية يجب تحملها، فالمواطن أمانة في عُنق الدولة والحق في العلاج ليس ترفاً بل واجباً وطنياً وإنسانياً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1265