وعود الاتصالات المعسولة... بلاغة الممكن وبلاغة المستحيل
سلمى صلاح سلمى صلاح

وعود الاتصالات المعسولة... بلاغة الممكن وبلاغة المستحيل

لا يخلو المشهد العام للاتصالات في سورية من مفارقة لافتة؛ وزير يتحدث عن «أسرع إنترنت على الإطلاق»، ومواطنون يعانون من انقطاع الخدمة، وباقات تبلغ كلفتها 30% من الدخل في بعض الأحيان، بينما سرعتها لا تسمح بتحميل فيديو واحد!

وبين الخطاب الطموح والواقع المتردي، تتسع هوة ليست تقنية فحسب، بل سياسية واجتماعية أيضاً.


خطاب الأهداف السبعة


في بداية تولي عبد السلام هيكل لمنصبه، أعلن عن سبعة أهداف، أولها تحسين جودة خدمات الإنترنت والاتصالات. وبعد ما يقارب العام، يتضح أن الخطاب الوزاري وصفي واستشرافي أكثر منه إجرائي.
فتحديد الأهداف تم، وحفظناها عن ظهر قلب، لكن آليات التنفيذ بقيت عامة، فلا مؤشرات قابلة للقياس، وكل الخُطب تُقال بصيغة «سنعمل على ...»
وهو نمط مربك في الحقيقة، فهو ينتج وعوداً لا تحدد موعداً للفشل. وعندما يأتي وقت المساءلة، ويضيق الأمر على الشعب، يتم استحضار خطاب «الصبر» و«النتائج التدريجية»!


أوغاريت 2 ... رمزية الاسم


أعلنت وزارة الاتصالات عن اكتمال المرحلة الأولى بالتعاون مع شركات أمريكية وقبرصية من مشروع أوغاريت. لكن المشروع بطبيعته يركز على تحديث معدات المحطات بما يخدم الاتصال الدولي، لكنه لا يصل إلى المنازل ما لم تكتمل شبكة الكابلات الداخلية، ما يجعل من كابل «أوغاريت» أشبه بطريق سريع يؤدي إلى مدينة بلا شوارع!
فالمشكلة ليست في «البوابة» الدولية، بقدر ما هي في الشبكة المحلية. وهنا يظهر التناقض مرة أخرى بين التركيز الإعلامي على مشاريع كبرى قليلة التأثير المباشر، مقابل إهمال توثيق المشاريع الصغرى التي تلامس المستخدم يومياً.


الجيل الخامس... ما قبل الميلاد!


في شهر أيار من العام الماضي أعلن الوزير عن إطلاق تجربة الجيل الخامس، وكان الخطاب مفعماً بالحماس والأمل، مؤكداً على انطلاقة «سورية الجديدة». ولكن في مقابلة لاحقة مع «تلفزيون سورية» اعترف الوزير بأن تجربة «برق نت» لم تكن مرضية.
ولا ضير من إطلاق خدمة بشكل تجريبي ثم سحبها لإعادة النظر فيها، ولكنها تتحول إلى فشل في التخطيط والتنفيذ عندما تُقدم كإنجاز في لحظة الإطلاق، ثم تُسحب بصمت، ولا سيما أن الوزارة أقرّت بأن كلفة «الاستثمار» تقارب مليار دولار.
فالمواطن الذي سمع عن G5 ثم يرى خدمة +H المتقطعة، كيف يمكنه تصديق وعود عن سباق عالمي، وهو لا يزال عالقاً في ازدحام محلي؟!


الخدمة المتردية


لم يعد الإنترنت ترفاً؛ فهو تعليم وعمل وحق، وعندما تكون الخدمة سيئة ومكلفة، فإن الأثر لا يقتصر على التأخر في تحميل صفحة أو إرسال رسالة، بل يمتد إلى تعطيل أعمال، وحرمان الفئات محدودة الدخل من الوصول إلى الخدمات الرقمية، وتراكم الإحباط وفقدان الثقة بالمؤسسات.
فسورية التي خرجت من حرب طاحنة، والتي يتطلع مواطنوها إلى «سورية جديدة» فعلاً، بكل ما تحمله من وعد بالكرامة والخدمة والكفاءة، لا تستحق أن يُباع لها «حلم الإنترنت الأسرع» بينما واقعها هو الإنترنت الأبطأ!
والمواطن لا يطلب المستحيل؛ إنترنت بسرعة وسعر معقولين فقط. اليوم، وليس في مستقبل غائم بلا تاريخ. وهذه أبسط حقوق من يُطلَب منه دفع ربع راتبه لقاء خدمة أساسية!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1265