ملتقى حلول الصناعة الوطنية... من وثيقة تشخيص إلى اختبار جديّة التنفيذ
في السادس من كانون الثاني 2026، انعقد «ملتقى حلول الصناعة الوطنية» في فندق داما روز بدمشق، بتنظيم من غرفة صناعة دمشق وريفها، وبمشاركة واسعة من الصناعيين وممثلي الوزارات والجهات العامة ذات الصلة، إلى جانب خبراء ومتخصصين بالشأنين الاقتصادي والإداري. وجاء الملتقى كمساحة حوار جدية في مرحلة دقيقة تمر بها الصناعة الوطنية، التي تواجه جملة من التحديات المتراكمة، في مقدمتها ارتفاع تكاليف الإنتاج، نقص التمويل، تعقيد الإجراءات، وصعوبات الطاقة والبنية التحتية، ووضع حلول عملية قابلة للتنفيذ، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى إعادة تمكين قطاع الإنتاج.
ملتقىً مختلف... لأن مخرجاته تنفيذية
ما منح هذا الملتقى أهمية خاصة، أنه لم يكتفِ بتشخيص المشكلات أو تبادل وجهات النظر، بل تُوّج بإعداد وثيقة مرجعية شاملة حوّلت خلاصات النقاش إلى مصفوفة تنفيذية واضحة، حدّدت الإجراءات المطلوبة، والمهام التفصيلية، والجهات المسؤولة عن التنفيذ والمتابعة، في نموذج عمل تشاركي جمع بين الحكومة وقطاع الأعمال.
وفي هذا السياق، قام وفد من غرفة صناعة دمشق وريفها بزيارة وزير المالية يسر برنية في مكتبه، وسلّمه الوثيقة التي تلخّص توصيات ملتقى «مختبر حلول الصناعة الوطنية»، في خطوة عملية هدفت إلى وضع هذه التوصيات على سكة التنفيذ الفعلي.
توصيات جوهرية لمعالجة اختناقات الصناعة
خرج الملتقى بمجموعة من التوصيات الهامة التي يمكن اعتبارها خارطة طريق متكاملة للنهوض بالقطاع الصناعي.
وتوزعت توصيات الملتقى ضمن ستة محاور رئيسية، عكست بدقة مكامن الخلل في البيئة الصناعية، وقدّمت حلولاً عملية لها:
حول إدارة الصناعة والتشريعات الناظمة، دعت التوصيات إلى تبسيط الإجراءات، وتوحيد المرجعيات، وتخفيف البيروقراطية، وتحديث القوانين الصناعية بما يتناسب مع الواقع الحالي، بما يتيح للصناعي العمل في بيئة أكثر وضوحاً واستقراراً.
وحول الطاقة والبنية التحتية، أكدت التوصيات ضرورة معالجة ملف الطاقة كأولوية قصوى، من خلال تأمين الكهرباء والوقود للمناطق الصناعية، وتحسين البنية التحتية من طرق وخدمات واتصالات، لما لذلك من أثر مباشر في خفض كلفة الإنتاج وتعزيز القدرة التنافسية.
وبما يخص التمويل، ركزت المقترحات على توسيع القروض الإنتاجية، وتقديم تسهيلات مصرفية حقيقية للصناعة، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها المحرّك الأساسي للتشغيل والإنتاج.
أما عن مدخلات الإنتاج والجمارك، دعت الوثيقة إلى تخفيض الرسوم الجمركية على المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج، وتسريع التخليص الجمركي، ومنع الازدواج الضريبي، مع التشديد على حماية المنتج الوطني من المنافسة غير العادلة.
وعن التدريب وبناء القدرات، شددت التوصيات على ربط التعليم المهني والتقني بحاجات السوق الصناعية، وتطوير برامج التدريب داخل المنشآت، للحفاظ على الخبرات الوطنية ورفع كفاءة اليد العاملة.
وحول البحث والتطوير الصناعي، طرحت الوثيقة أهمية تشجيع الابتكار ونقل التكنولوجيا، وتعزيز التعاون بين الجامعات والقطاع الصناعي، بهدف رفع جودة المنتج المحلي وزيادة قدرته على المنافسة.
إضافة إلى ذلك، حدّدت الوثيقة ثلاثة عشر إجراءً إسعافياً مستعجلاً، رأت أنها تتطلب أولوية قصوى في التنفيذ لمعالجة الاختناقات الأكثر إلحاحاً.
مبدئياً... تعاطٍ إيجابي من وزارة المالية
وزير المالية عبّر عن انطباع إيجابي واضح تجاه مضمون الوثيقة، من خلال صفحته على «فيسبوك»، معتبراً أنها وثيقة عملية بامتياز، لا تكتفي بسرد المطالب، بل تقدّم حلولاً محددة وتوزّع الأدوار والمسؤوليات بين مختلف الجهات. وأشار إلى أن «النجاح في تطبيق حتى نصف هذه التوصيات من شأنه أن يُحدث قفزة نوعية في الصناعة السورية»، مؤكداً أن الوزارة ستتعامل بجدية مع الإجراءات المرتبطة باختصاصها، عبر تشكيل فريق مختص لمتابعة الإصلاحات المطلوبة ودراستها.
بانتظار ما سيسفر عنه «بوست» الوزير من إجراءات تنفيذية وعملية خاصة بوزارته!
فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تبني التوصيات على المستوى النظري، بل في تحويلها إلى إجراءات عملية ملموسة يشعر بها الصناعي على أرض الواقع.
من الاستجابة الإيجابية إلى الالتزام الشامل
رغم أهمية الموقف الإيجابي المعلن من قبل وزير المالية، إلا أن التحدي الحقيقي لا يزال قائماً، هل تتحول هذه الإيجابية إلى أفعال؟
فالصناعة الوطنية لا تحتاج إلى وزارة واحدة داعمة، بل إلى منظومة حكومية كاملة تتبنى هذه التوصيات، وتعمل على تنفيذها بتنسيق عالٍ، وجداول زمنية واضحة، وآليات متابعة ومساءلة حقيقية، والأهم إشراك مستمر للقطاع الصناعي في تقييم النتائج.
إن حصر الاستجابة بوزارة المالية وحدها، أو الاكتفاء بالإشادة بالوثيقة دون ترجمتها إلى قرارات وإجراءات ملموسة، سيُفقد هذا الجهد قيمته، ويعيد الصناعيين إلى مربع الانتظار.
رسالة مباشرة إلى صنّاع القرار
يشكّل ملتقى حلول الصناعة الوطنية،
وما نتج عنه من توصيات تنفيذية، اختباراً حقيقياً لجدية الحكومة في دعم الإنتاج الوطني. لكنه لن يكون كافياً ما لم يستكمل بخطوات تنفيذية جريئة تعالج جذور المشكلات لا مظاهرها فقط.
فلسان حال الصناعيين يقول إن الفرصة اليوم متاحة، والوثيقة جاهزة، والمشكلات معروفة، والحلول مطروحة بوضوح.
والمطلوب من صنّاع القرار ليس المزيد من التشخيص، بل التحرّك السريع والمنسّق، وتحويل هذه التوصيات إلى سياسات نافذة، وإجراءات ملموسة، يشعر الصناعي بأثرها في معاملِه، قبل أن يقرأها في البيانات.
فالصناعة الوطنية، التي صمدت في أصعب الظروف، تستحق أكثر من التفاؤل؛ تستحق قرارات جريئة، وتعاوناً مؤسسيّاً، والتزاماً حكومياً شاملاً يضمن الاستمرارية في العمل، وإرادة تنفيذ لا تتوقف عند حدود النوايا.
فإما أن يكون هذا الملتقى وتوصياته نقطة انطلاق حقيقية نحو صناعة وطنية أكثر قوة وقدرة على المنافسةـ، أو فرصة أخرى تُهدر في سجلّ الفرص الضائعة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1263