الصيدلية... الملاذ الأخير للجيوب المفرغة؛ حين يصبح «تجاوز الحدود» أوكسجين الفقراء!
في حديث لصحيفة «الثورة السورية»، في 22 كانون الثاني، حذر مدير الرقابة الدوائية في حلب، الدكتور محمد عبد الحافظ، من خطورة اللجوء إلى الصيدلاني لتشخيص أو علاج الأمراض.
كما بيّنت مديرية الصحة حدود عمل الصيدلاني، والقوانين الناظمة للمهنة، وضرورة الالتزام بها، ولا سيما وأن دائرة الرقابة الدوائية تعتمد على جولات تفتيش دورية و«مفاجئة» على الصيدليات كافة.
ولكن...
في بلدٍ اختزل فيه الطب والعلاج والاستشفاء إلى سلعة فاخرة، يقدم في علبة مخملية، ويُسعّر بذهبٍ خالص، تتحفنا الجهات الرسمية بجملة من «النصائح» التي بالكاد تعالج الأعراض، وتوبخ الضحايا، وتتغاضى عن الجذور الكارثية التي حولت الصيدلية إلى عيادة للفقراء.
في سورية، حيث كشفية الطبيب قد تعادل ربع راتب موظف أو عامل كادح، وحيث فاتورة المستشفى تتسبب في إفلاس عائلة بأكملها، يأتينا من يُطلق تحذيراته الرنانة عن «تجاوز حدود المهنة»، وكأن المواطن والصيدلاني همّشوا دور الطبيب طوعاً!
فالصيدلاني، ومن دون الخوض في التبرير له، لم يقرر بين لحظة وأخرى أن يصبح طبيباً، بل دفعه إلى هذا «التجاوز» مواطن مُعدم، يختار بين علبة دواء لطفله المريض، أو بعض الطعام لعائلته؛ مواطنٌ يرى في كشفية الطبيب «عبئاً كبيراً ومكلفاً»، منذ أن حول الفقر والغلاء الطبابة إلى حلم بعيد المنال، وجعلا من الصيدلاني «بطل الزنقة»!
وعندما يقول قائل: «هذا تجاوز للمهنة»، يقول المعترون: «أليس الفقر تجاوزاً للحدود؟!».
فمن الطبيعي أن يبحث الفقير عن «بديل اقتصادي»، ومن لا يجد أمامه سوى صيدلي الحارة، الذي تحول إلى «طبيب الطوارئ» و«مستشار الصحة العامة» سيعتبره «الصديق الوفي» الذي لا يسأل عن ثمن الكشفية أو بطاقة التأمين.
أما «التحذيرات» الرسمية التي تخرج علينا بلهجة الحارس الأمين على صحة المواطن، تقفز فوق الكارثة؛ تتغاضى عن أنظمة الرعاية الصحية المتهالكة، والمستشفيات الحكومية التي تشبه أطلال حضارة بائدة، والأطباء الذين يتقاضون مئات آلاف الليرات.
فالخطاب الرسمي بهذا السياق يحول الأزمة إلى مشكلة فردية، والفشل الرسمي في توفير الرعاية الصحية إلى أزمة «وعي» عند المواطن، وانحراف «أخلاق» عند الصيدلاني.
والقصة باختصار ليست جهلاً وقلة وعي ولا انحرافاً مهنياً، بل قصة وطن أصبح فيه الألم تجارة واستثماراً، والحدود الوحيدة الواضحة هي تلك التي تفصل بين من يملكون ثمن الصحة ومن ينتظرون الموت على أرصفة المستشفيات.
فبدلاً من إطلاق التحذيرات والتلويح «بحدود المهنة»، رغم صوابها النسبي نظرياً، لتنظر الجهات الصحية إلى الفقر الذي يدفع الناس إلى هذا الحد.
ربما عندها ستدرك الرقابة الدوائية ومديرية الصحة، وكل الحكومة والجهات الرسمية من خلفها، أن الصيدلاني لم يتجاوز الحدود بقدر ما سدَّ فجوة خلّفها نظام صحي أرهقه الجشع والترهل والإهمال. وأن المواطن لا ينقصه «الوعي»، بل هي «القشة» التي يتعلق بها في بحر الغلاء.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1263