استراتيجية مكافحة الفقر... حين تتحول الدولة إلى متفرّج ينتظر المستثمر

استراتيجية مكافحة الفقر... حين تتحول الدولة إلى متفرّج ينتظر المستثمر

في وقت تعلن فيه الحكومة أن نحو 80% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، كان من المنتظر أن تحمل أي استراتيجية وطنية لمكافحة هذه الكارثة الاقتصادية والاجتماعية تصوراً واضحاً لدور الدولة، وأدواتها، ومسؤولياتها المباشرة. لكن ما طُرح أخيراً يوحي بعكس ذلك تماماً.

فقد كشفت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند قبوات، في تصريح لموقع اقتصاد الشرق بتاريخ 25 كانون الثاني 2026، أن سورية تستعد لإطلاق استراتيجية وطنية لمكافحة الفقر خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، مشيرة إلى أن العمل يجري بالتوازي مع استراتيجية شاملة للحماية الاجتماعية، تتضمن مبادرات تستهدف المتسولين، والأيتام، وذوي الإعاقة، والنساء من دون معيل، إضافة إلى اللاجئين عند عودتهم إلى البلاد.
وأضافت الوزيرة أن الهدف الأساسي هو خلق فرص عمل مستدامة، مع التركيز على التدريب المهني، لضمان جاهزية القوى العاملة عند قدوم الاستثمارات وبدء تنفيذ المشاريع الجديدة.
وهنا تحديداً تكمن المشكلة.


فقر اليوم... وحلول مؤجلة إلى «قدوم الاستثمارات»


حين يُربط الخروج من الفقر بشرط مستقبلي غير مضمون مثل «قدوم الاستثمارات»، فإننا لا نكون أمام استراتيجية مكافحة فقر، بل أمام سياسة إدارة انتظار.
فالرسالة الضمنية واضحة: سنُدرّب الفقراء اليوم...
وعندما يأتي المستثمر غداً، قد يجد لهم عملاً!
لكن ماذا عن ملايين السوريين اليوم؟
ماذا عن الجوع، وانهيار الدخل، وغلاء المعيشة، والعجز عن تأمين الحد الأدنى من الحياة؟
الدولة هنا لا تقترح حلاً، بل تطلب من الفقراء الصبر.

أين الدولة؟ سؤال غائب عمداً
اللافت في التصريحات الرسمية ليس ما قيل، بل ما لم يُقل:
فلا حديث عن مشاريع تشغيل تقودها الدولة.
ولا ذكر لإصلاح الأجور أو ربطها بتكاليف المعيشة.
ولا سياسات دعم دخل مباشر.
ولا خطط لإحياء القطاع العام الإنتاجي.
ولا إجراءات ضريبية لإعادة توزيع الثروة.
ولا مواجهة للاحتكارات أو تشوهات السوق.
بالمقابل، كل الثقل موضوع على التدريب المهني، وكأن المشكلة الأساسية هي نقص مهارات الفقراء، لا غياب الوظائف، ولا انهيار الاقتصاد.
فالتدريب بلا وظائف ليس تنمية، بل إعادة تدوير للبطالة.


من «مكافحة الفقر» إلى «إدارة الفئات الفقيرة»


عندما تُختزل الاستراتيجية في استهداف: المتسولين- الأيتام- النساء بلا معيل- ذوي الإعاقة، فنحن أمام مقاربة إغاثية اجتماعية لا مقاربة اقتصادية تنموية.
هذه السياسات قد تخفف من حدة الفقر، لكنها لا تُخرج أحداً منه.
فهي تنظم الفقر، لا تعالجه. تُدير نتائجه، ولا تمس أسبابه.
والأخطر أنها تفصل الفقر عن السياسات الاقتصادية العامة، وكأنه مشكلة فئات هامشية، لا نتيجة مسار اقتصادي كامل.


تغييب الأسباب... يعني تغييب الحلول


لا يمكن الحديث عن مكافحة الفقر دون التطرق إلى أسبابه البنيوية، وعلى رأسها: انهيار سعر الصرف- تآكل الأجور- البطالة الواسعة- ضعف الإنتاج- تراجع الخدمات العامة- غياب العدالة الضريبية.
لكن الاستراتيجية المعلنة تتجنب كل ذلك، وكأن الفقر ظهر فجأة، بلا سياق، وبلا مسؤوليات.
وحين لا تُسمّى الأسباب، لا تُبنى حلول حقيقية.


الدولة كوسيط... لا كمسؤول


أخطر ما في الخطاب الرسمي أنه يعكس تحولاً عميقاً في دور الدولة:
من دولة تقود التنمية... إلى دولة تنتظر السوق.
من فاعل اقتصادي... إلى وسيط تدريب.
من مسؤول عن التشغيل... إلى منسق مع المستثمرين.
بكلمات أخرى:
الدولة تنسحب خطوة خطوة من التزامها الاجتماعي، وتُحمّل الخلاص لقوى خارجية، بينما تكتفي بدور إداري تقني.


استراتيجية بلا دولة!

ما طُرح حتى الآن لا يرقى إلى مستوى استراتيجية وطنية لمكافحة الفقر، بل هو إطار عام يراهن على المستقبل، ويؤجل المواجهة، ويتجنب الأسئلة الصعبة.
ففي بلد يعيش 80% من سكانه تحت خط الفقر، لا يكفي أن نُدرّب الناس بانتظار الاستثمار.
بل المطلوب:
دولة تُنتج.
دولة تُشغّل.
دولة تحمي الدخل.
دولة تعيد توزيع الثروة.
دولة تتحمل مسؤوليتها كاملة، لا بالنيابة عن السوق ولمصلحته.
وإلا، فإن كل حديث عن مكافحة الفقر سيبقى خطاباً جميلاً... فوق واقع ظالم وقاس ومجحف تعاني منه الغالبية المفقرة في البلاد.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1263