تطبيق «وجب...» منصة شكاوى أم غطاء لسياسات معطوبة؟

تطبيق «وجب...» منصة شكاوى أم غطاء لسياسات معطوبة؟

مرة أخرى، يُقدَّم لنا «إنجاز» رقمي مُغلَّف بخطاب عصري يطغى عليه البهرجة، كنتاج لورشة العمل الخاصة التي عقدت بتاريخ 26 كانون الثاني 2026 لإطلاق التطبيق الحكومي الإلكتروني الموحد «وجب»، المخصص لتلقي شكاوى ومقترحات المواطنين عبر الوزارات والجهات العامة كافة (تطبيق موحّد للشكاوى- تتبّع- تقييم- وشفافية). عناوين براقة، ووعود جاهزة، وكأن المشكلة في هذا البلد كانت دوماً نقص النماذج الإلكترونية لا اختلال السياسات. وكأن هموم الناس الكبرى تنتظر زرّ «إرسال» كي تُحل.

بالمقابل يمكن القول إن الثقة لا تُشتَرى بتطبيق ولا تُغلّف بالبهرجة، والحقيقة أبسط وأكثر قسوة، فلا تطبيق، مهما كان متقناً، يعفي الجهات الرسمية من مسؤوليتها عن سياسات تعرفها جيداً وتُصر على تجاهلها.


حين تتحول الشكوى إلى ديكور


ما الذي سيضيفه «وجب» لشكاوى يعرفها القاصي والداني؟
تعرفة الكهرباء تُرهق الدخل المحدود.
الأجور لا تكفي لأبسط متطلبات الحياة.
الإنترنت ضعيف ومكلف في آنٍ واحد.
الخدمات الأساسية تُدار بعقلية الطوارئ الدائمة.
فهل تحتاج مثل هذه القضايا إلى تطبيق كي تُكتشف؟ أم إلى قرار؟
إن تحويل هذه الملفات إلى «شكاوى فردية» يُفرغها من مضمونها الحقيقي. فهي ليست أخطاء موظف ولا تأخير معاملة، بل خيارات وسياسات عامة. وهنا تكمن الخطورة، أن يصبح التطبيق أداة لتجزئة الغضب الشعبي بدل معالجته من جذوره.


المساءلة لا تُختزل بتتبع الطلب


التتبع ميزة تقنية، نعم.
لكن تتبع ماذا؟ مسار شكوى يعرف الجميع نهايتها؟
فالمساءلة الحقيقية لا تعني إغلاق الطلب «الشكوى»، بل فتح النقاش حول سبب تكراره آلاف المرات. ولا تعني قياس رضا المستخدم عن الخدمة، بل مراجعة سبب رداءة الخدمة أصلاً.
إن حصر الشفافية في لوحة تحكم رقمية، دون نشر تقارير علنية عن الشكاوى المتكررة وتأثيرها على القرار، ليس شفافية... بل إدارة انطباع.


التطبيق لا يصنع سياسة


لنكن واضحين، فمثلاً:
التطبيق لا يرفع الأجور.
التطبيق لا يُصلح شبكة الإنترنت.
التطبيق لا يُعيد النظر بتسعير الكهرباء.
هذه مهام حكومية بامتياز، لا تُفوَّض إلى منصات رقمية، ولا تُرحَّل إلى صبر المواطنين.
إن أخطر ما في الخطاب الرسمي المرافق للتطبيق هو الإيحاء بأن المشاركة الإلكترونية بديل عن المشاركة في صنع القرار.
وكأن المطلوب من المواطن أن يشتكي بهدوء، لا أن يُسأل ويُستشار ويُؤخذ رأيه قبل صدور السياسات.


من حق الناس ما هو أكثر من نافذة شكوى


الناس لا تطلب معجزة. تطلب فقط:
سياسات تُصمَّم على أساس الدخل الحقيقي، وتصب باتجاه تحسين الوضع المعيشي.
خدمات مستدامة ومستقرة وتُسعَّر بعدالة.
اعترافاً رسمياً بالمشكلات والسعي الجدي لحلها بدل تدويرها.
أن تكون شريكة بصنع القرار ومراقبة له، لا منفّذاً قسرياً لحيثياته.
أما التطبيقات، فهي أدوات مساعدة في أحسن الأحول.


لا تختبروا صبر الناس بالتقنية


إطلاق تطبيق شكاوى ليس إنجازاً بحد ذاته. الإنجاز هو أن تقلّ الشكاوى لأن أسبابها عولجت. أما تحويل الوجع العام إلى بيانات، دون تغيير السياسات التي أنتجته، فليس تحديثاً إدارياً... بل تأجيلاً للأزمة.
لنعيد التأكيد أن الثقة لا تُبنى بالتطبيقات، بل بالقرارات. والناس تعرف الفرق جيداً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1263