تشوهٌ مزمن... سياسات الإسكان الفاشلة ومرابح السماسرة... تحول العقار من ملاذٍ وأمان إلى حلمٍ مستحيل
منذ سنوات وعقود أصبح السوق العقاري ساحة مفتوحة لمطامع تجار العقارات وسماسرتها، واليوم يشهد السوق تشوهاً يعكس فشلاً يتجاوز الاختلالات في آليات العرض والطلب.
حيث تتجاوز تكاليف البناء الفعلية– المواد، والأيدي العاملة، والتراخيص– سعر البيع في السوق. وتتراوح تكلفة بناء المتر المربع حالياً ما بين 250 و300 دولار بحسب بعض الخبراء العقاريين، وبالتالي فإن تكلفة منزل مساحته 100 متر مربع تقدر بنحو 25 ألف دولار، تقل أو تنقص بحسب المنطقة، وسعر الأرض، ونوعية الإكساء، والمواصفات الفنية والصحية والخدمية وغيرها من المعايير، فيما لا يتجاوز سعر بيع المتر المربع في السوق 150 أو 250 دولار في بعض المناطق.
وبالنظر إلى واقع الأجور والرواتب اليوم، فإن العائلة السورية بحاجة إلى عشرات السنين لامتلاك منزل، بافتراض أنها ستخصص كامل دخلها لذلك، ودون أن تنفق أي ليرة على احتياجاتها الأخرى، من مأكل وملبس وطبابة ومواصلات وغيرها، وعلى افتراض بقاء الأسعار ثابتة، مما يجعل امتلاك السكن حلماً بعيد المنال لشريحة واسعة من السكان.
التحكم بالسوق
من المفترض أن يخدم السوق العقاري الاحتياجات الأساسية، وفي مقدمتها توفير السكن الملائم، فضلاً عن توفير المساحات التجارية والخدمية والصناعية اللازمة لدعم الأنشطة الاقتصادية. ومع ذلك، فإن السوق يكشف عن استجابة أكبر لقوى المضاربة والاحتكار، بدلاً من احتياجات السكن الفعلية.
فقد تحول العقار، بفعل المضاربة التي يغذيها غياب القوانين والسياسات الناظمة، إلى أداة استثمارية بحتة، ولم يعد المضاربون يشترون العقارات بهدف استخدامها أو تأجيرها، بل بهدف بيعها بسعر أعلى، وخاصة للباحثين عن ملاذات آمنة لأموالهم أو لتبييضها، حيث باتت فئة قليلة من السماسرة تسيطر على حصة كبيرة من المعروض العقاري؛ ويتيح لهم هذا الاحتكار التلاعب بالأسعار والتحكم في العرض والطلب.
بالإضافة إلى احتكارهم المعلومات، وخلق ندرة مصطنعة عبر التحكم في وتيرة عرض الوحدات السكنية، وتضخيم الأسعار عبر المضاربة، مستغلين بذلك أزمة الإسكان لتحقيق أرباح استثنائية وهائلة.
وبدلاً من تلبية حاجة السكن الملحة، أصبح السوق العقاري أشبه بكازينو، تُتداول فيه الثروات بين قلة من اللاعبين المحتكرين، بينما يعاني غالبية السوريين من صعوبة الحصول على سكن لائق.
شركات التطوير العقاري...حل أم تعقيد؟
الحديث عن استثمار شركات التطوير العقاري ليس جديداً، بل طرحته السلطة السابقة، في إطار انسحابها من مسؤولياتها لصالح ضمان مصالح قلة من أصحاب الأرباح.
فبدلاً من البحث عن حلول سكنية تلبي احتياجات شرائح واسعة من المجتمع، يُعاد تعويم شركات التطوير بوصفها العصا السحرية التي ستحل الأزمة الحالية.
بينما تعمل هذه الشركات، بحال إقلاعها جدياً، وفق منطق الربح، وستتجه للاستثمار في مشاريع تحقق أعلى الفوائد، أي تلك الموجهة نحو الفئات القادرة على دفع أسعار مرتفعة، مما يرفع أسعار البيع والإيجارات المرتفعة أصلاً، ويجعل الحصول على سكن للفئات محدودة الدخل– أي الغالبية العظمى من السوريين– شبه مستحيل.
دور الدولة الغائب والمغيّب
حتى وإن تخلى المواطن عن حقه في امتلاك منزل، فإن وضع الإيجارات ليس بحال أفضل، حيث تتراوح الإيجارات في ريف دمشق، على سبيل المثال، وحتى في المناطق العشوائية، ما بين 1,5 إلى مليونين ليرة شهرياً، مع الأخذ بعين الاعتبار الشروط الإضافية التي باتت تثقل العملية برمتها، مثل تسديد 3-6 أشهر سلفاً، وتسديد الضريبة وبدل السمسرة الذي يعادل إيجار شهر كامل، بالإضافة إلى مبلغ الضمان!
لذلك فإن الاستمرار بالتعامل مع أزمة الإسكان بعقلية السلطة السابقة، في ظل ظروف قاسية تفرض حل مشكلة السكن المتفاقمة، والتوجه نحو تحويل كل حجر وقطعة أرض إلى استثمار، يعني تجاهل الحكومة لمسؤوليتها في تحسين الواقع الاجتماعي للمواطنين، وحاجاتهم التي يجب أن توفرها بعيداً عن منطق الربح والخسارة.
ما يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية تعيد تنظيم وضبط السوق بما يضمن حقوق المواطنين، والتعامل مع السكن بوصفه حقاً أساسياً، لا سلعة تُباع وتشترى وفقاً لقوانين العرض والطلب، وتتحكم بها شركات ومضاربين يسعون وراء الربح وتعظيمه.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1263
فرح شرف