حين يكون الانفصال عن الواقع توصيفاً للمسؤولين والخروج من التاريخ واقعاً يُفرض على السوريين
في خطابات وتصريحات رسمية متكررة، خلال السنة الماضية وحتى الآن، بدا أن المسؤولين السوريين يعيشون في عالم موازٍ، يتحدثون عن «سورية الجديدة» و«الانطلاقة التاريخية»، بينما يتجاهلون واقع ملايين السوريين الذين لا يزالون يكابدون تبعات سنوات الحرب، ويكافحون من أجل أبسط حقوق الحياة؛ الغذاء، العمل، التعليم، الكهرباء، الدواء، والاستقرار الاجتماعي.
ما يزيد ثقل هذه المفارقة ليس مجرد اللغة الرنانة أو الوعود الكبيرة، بل الانفصال الحقيقي بين الخطاب الرسمي وواقع المواطن السوري. هذا الانفصال دفع بالكثيرين إلى تساؤل مؤلم: هل أصبح السوريون هم من أُخرجوا من التاريخ فعلياً؟
في أيار 2025، قال وزير الاتصالات عبد السلام هيكل: «حرمت سورية من العالم طويلاً، وستظهر السنوات القادمة كم كان العالم محروماً منها».
السؤال هنا، وبعد أشهر طويلة من التصريح أعلاه وما تلاه، ليس إن كانت سورية «محرومة من العالم»، بل لماذا لم يشعر السوريون أنفسهم بأن العالم عاد إليهم بعد سنوات من القهر والدمار؟
فماذا عن معاناة المواطن المستمرة على مستوى الوصول إلى التقنية، والاتصال الفعلي بشبكة الإنترنت ذات الجودة الجيدة والسعر الاقتصادي، أو حتى تطوير البنية التحتية الرقمية التي تجعل الحياة اليومية أسهل- وهي أشياء يعيش المواطن السوري يومياً وبأسى شديد من عدم توفرها.
وكذلك رغم الحديث عن اتفاقيات ضخمة في قطاع الطاقة عن لسان وزيره وغيره من الرسميين طيلة الأشهر الماضية، مثل إبرام عقود بـمليارات الدولارات لتحسين قدرة إنتاج الكهرباء، فإن الواقع لا يزال يدلّ على انقطاع كهربائي طويل، وخدمات غير
مستقرة، وفوق ذلك أصبحت التكلفة مرتفعة جداً وباتت فوق قدرة وطاقة الأسرة السورية.
وأيضاً في تصريحات لوزير الاقتصاد والصناعة خلال 2025، تحدث عن استثمارات ضخمة بقيمة تصل إلى مئات مليارات الدولارات في مرحلة ما وصفها بأنها «ولادة سوريا جديدة»، بعد رفع العقوبات.
لكن هنا أيضاً تكمن المفارقة، فعلى الرغم من هذا الكلام الكبير عن بيئة استثمارية أكثر مرونة، لا يزال المواطن السوري يعاني من ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتدهور القوة الشرائية وندرة فرص العمل، كما لا تبدو هذه الوعود مرتبطة بخطط واضحة لمعالجة الأزمات اليومية التي يعيشها المواطن في الأسواق أو أماكن العمل.
ما يلفت الانتباه في غالبية التصريحات الرسمية هو الاستخدام المكثف لعبارات المستقبل الواعد، والاستثمار الضخم، والانفتاح على العالم... بينما الواقع الاجتماعي والاقتصادي ما زال يرزح تحت تبعات سنوات طويلة من تدمير البنى الأساسية، استمرار أزمة النزوح والتهجير الداخلي والخارجي، وتراجع كبير في مستوى التعليم والصحة والبنية التحتية، والأهم استمرار التدهور المعيشي.
يحدث هذا بينما ملايين السوريين يحاولون العودة إلى حياة طبيعية فقط، أو لإيجاد حياة كريمة، وليس للصعود إلى مستوى الوعود الرسمية والصورة المبهرجة والمضخمة إعلامياً عنها والمرافقة لها.
هذه الفجوة بين الخطاب والواقع تطرح سؤالاً عميقاً: هل أصبح الخطاب الرسمي مجرد بروباغندا لا تلامس حياة الناس؟ وهل صارت الخطابات الرنانة تستعمل لإخفاء الفجوة الكبيرة بين المواطن والدولة بدلاً من ردمها؟
فحينما يقال «إن العالم كان محروماً من سورية»، يجب أن يكون السؤال المشروع الآتي الآن: أين أصبح السوريون داخل هذا العالم؟
الواقع السوري اليوم لا يحتاج إلى تكرار العبارات والوعود الرنانة، بل إلى سياسات مستدامة تُعيد للمواطن مكانته الأساسية وحقه في الحياة، في التعليم، في العمل، في الوصول إلى الخدمات الأساسية، وفي الشعور بأنه ليس مجرد موضوع في خطاب حكومي، بل فاعل وصانع للمستقبل.
فالمستقبل لا يُصنع بالكلمات والوعود، بل بالأفعال، والسوريون يحتاجون أكثر من أي وقت مضى إلى أن يكونوا في صُلب هذه الأفعال، كحق ودور بالشراكة والرقابة والمحاسبة، وليس في هامش كلمات رسمية تُعلن عن وعود اجتماعية واقتصادية، ولا تعكس الواقع الصعب والقاسي الذي يعيشونه.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1263