انتشار المواد منتهية الصلاحية... بين ضعف الرقابة وانفتاح الحدود
شهدت الأسواق السورية تغيراً جذرياً بعد «تحرير» السوق، حيث ازدادت الواردات الغذائية بشكل كبير، سواء عبر القنوات النظامية، أو عبر التهريب. وكان يمكن فهم هذا التدفق خلال الفترة الأولى من العام الماضي في إطار ضعف قدرة الأجهزة الرقابية، مما أدى إلى انتشار منتجات غير مطابقة للمواصفات القياسية السورية.
ولكن اليوم، وبعد أكثر من عام، لا تزال الأسواق تعجّ بشتى أنواع المنتجات التي لا تمر عبر قنوات رقابية كافية، وربما لا تمر أبداً، ولا سيما المنتجات الغذائية منتهية الصلاحية، بما في ذلك أغذية الأطفال (بسكويتات- شيبسات...) رغم خطورتها الكبيرة، ما يعكس سيطرة «قانون السوق» المبني على الربح السريع، من دون أي اعتبار للمعايير الصحية.
حق الصحة والسلامة الغذائية
عندما تتراخى الدولة في وظيفتها الأساسية، وهي حماية المواطن، فإنها تفتح الباب على مصراعيه أمام الفوضى وغياب الرقابة، مما يُتيح للمتنفذين وكبار المستوردين والتجار استغلال هذا الفراغ لترويج منتجات (غذائية وغير غذائية) ضارة ومنتهية الصلاحية.
ولا يقتصر الأمر على غياب الرقابة الفاعلة، بل يتعداه إلى التراخي أيضاً في سن القوانين والتشريعات الرادعة، أو عدم تطبيقها بصرامة، ما يفقد هذه القوانين قيمتها ويُفرغها من محتواها.
تآكل الرقابة
يمثل انتشار التهريب وعدم ضبط الحدود بشكل كافٍ عاملاً رئيسياً في تفاقم مشكلة انتشار المواد الغذائية الفاسدة. ويشكل التهريب تحدياً أمنياً واقتصادياً كبيراً، ويقوض أي جهد قد تبذله الجهات الداخلية، سواء الرقابة التموينية، أو هيئة المواصفات والمقاييس، أو وزارة الصحة.
كما أن الجمارك التي يفترض أن تكون بوابة حماية الأسواق، يبدو أنها تحولت إلى مجرد أداة لجمع الرسوم والضرائب؛ وكأن الأولوية لم تعد للمراجعة الدقيقة والتحقق من جودة وسلامة المنتجات، بل لجمع الإيرادات المالية.
رقابة موازية
وفيما تربط الرقابة التموينية جزءاً كبيراً من نجاح العمل الرقابي بوعي المستهلك و«ثقافته»، فإنها تنسحب من دورها الحمائي، وتلقيه على عاتق المستهلك، الذي يُفترض أن يكون الخبير في كشف المنتجات الفاسدة والتحقق من صلاحيتها.
إلا أن هذا الخطاب غير واقعي وغير منصف، فالمستهلك العادي، ومهما بلغت درجة وعيه، لا يمتلك الأدوات ولا الخبرة اللازمة للتحقق من سلامة جميع المنتجات. بالإضافة إلى ذلك، فإن ضغوط الحياة الاقتصادية، تدفع به إلى شراء منتجات أرخص ثمناً، حتى لو كان لديه شك في جودتها، في ظل غياب بدائل بأسعار معقولة.
فتحميل المواطن مسؤولية حماية نفسه في سوق غير منظم هو في جوهره تملص من المسؤولية، حيث بات يعتمد المستهلك على السمعة الشعبية، ويلجأ إلى تجارب الآخرين، ويستمع للانطباع العام، بدلاً من الشهادات الرسمية.
عواقب خطِرة
إن استمرار تدفق المنتجات منتهية الصلاحية، بما في ذلك المحلية منها، يعني تحول الغذاء وغيره من حق أساسي إلى سلع خاضعة لقانون العرض والطلب فقط، والمشوه، حيث يتعرض الأمن الغذائي والصحي للخطر لصالح مصالح تجارية ضيقة.
كما أن الاكتفاء بالحملات المفاجئة أو الاستجابة للشكاوى لا يكفي، فتحول أسواق سورية إلى «مكب» للبضائع المنتهية الصلاحية ليس مجرد مشكلة رقابية، بل مظهر من مظاهر أزمة مؤسسية واقتصادية ومعيشية شاملة. تتطلب معالجتها إرادة رسمية حقيقية وتغييراً مؤسسياً شاملاً وجذرياً يبدأ ببناء منظومة اقتصادية أكثر استدامة وعدالة، وينتهي بتعزيز الرقابة، بما فيها الرقابة الشعبية.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1263
سلمى صلاح