الفجوة الرقمية والفقر... عندما يُقصى السوريون عن اقتصاد المستقبل
يؤكد البنك الدولي في أحدث تقاريره بتاريخ 6 كانون الثاني 2026 تحت عنوان: «يمكن أن يؤدي سد الفجوة الرقمية إلى فتح فرص عمل والحد من الفقر»، أن الوظائف تمثل الأداة الأكثر موثوقية لإنهاء الفقر وبناء الأمل في مستقبل أفضل. غير أن هذا الطريق لم يعد متاحاً للجميع بالقدر نفسه، إذ أصبح الوصول إلى فرص العمل مرهوناً بالقدرة على الاندماج في الاقتصاد الرقمي. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: بينما يُفترض أن تكون التكنولوجيا الرقمية وسيلة لتمكين الفقراء، تكشف بيانات البنك الدولي أنها في الواقع لا تزال بعيدة عن متناول من هم بأمسّ الحاجة إليها. وعند إسقاط هذه الحقيقة على الواقع السوري، تتضح فجوة أشد عمقاً وخطورة.
أرقام البنك الدولي تكشف جوهر الأزمة
يعتمد تقرير البنك الدولي على مسوح أسرية في عشرات الدول، ويقدم صورة رقمية دقيقة للفجوة الرقمية المرتبطة بالفقر. وتشير أبرز معطياته إلى ما يلي:
بين الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع، أي من يقل دخلهم عن 3 دولارات للفرد في اليوم، لا تتجاوز نسبة مستخدمي الإنترنت 16% فقط.
ملكية أجهزة الكمبيوتر بين هذه الفئات تكاد تكون معدومة، ما يعني غياب شبه كامل لأهم أدوات الاقتصاد الرقمي.
حتى الأسر التي تجاوزت خط الفقر المدقع بقليل لا تزال تعاني من الإقصاء الرقمي، إذ إن نحو 50% فقط منها يمكنه الاتصال بالإنترنت، بينما لا يتمكن سوى شخص واحد من كل ثمانية من استخدام جهاز كمبيوتر.
هذه الأرقام، وفق البنك الدولي، ليست مجرد مؤشرات تقنية، بل دليلاً واضحاً على أن الفجوة الرقمية أصبحت عائقاً بنيوياً يمنع الفقراء من الوصول إلى الوظائف، والتعليم، والأسواق، والحراك الاقتصادي.
التكنولوجيا الرقمية... فرصة مشروطة وليست حقاً متاحاً
يشدد التقرير على أن للتكنولوجيا الرقمية قدرة حقيقية على الحد من الفقر وزيادة الإنتاجية، سواء عبر تحسين الوصول إلى معلومات الأسواق الزراعية، أو تسهيل الانتقال إلى وظائف غير زراعية، أو تمكين أنماط جديدة من العمل مثل العمل عن بُعد. غير أن البنك الدولي يضع تحذيراً صريحاً: لا يمكن للتكنولوجيا الرقمية أن تسهم في تقليص الفقر إذا لم تصل فعلياً إلى الأشخاص الأكثر فقراً.
وبحسب التقرير، فإن غياب الإنترنت الموثوق، وارتفاع تكلفته، وضعف المهارات الرقمية، يحوّل التكنولوجيا من أداة تمكين إلى عامل يعمّق اللا مساواة، ويكرّس الفجوة بين من يملك الوسائل ومن يُحرم منها.
إسقاط التقرير على سورية- فقر واسع وإقصاء رقمي مضاعف
عند النظر إلى الواقع السوري، تتجسد تحذيرات البنك الدولي بأوضح صورها. فالغالبية الساحقة من السوريين اليوم تعيش تحت خط الفقر، ونسبة كبيرة منهم في فقر مدقع، نتيجة سنوات الحرب والأزمة الطويلة وسياسات الإفقار المستمرة وتدهور الاقتصاد.
فللإنترنت لدينا حضور شكلي واستخدام محدود، فإذا كان 16% فقط من أفقر فقراء العالم يستخدمون الإنترنت، فإن شريحة واسعة من السوريين تقع عملياً ضمن هذا الإطار. فرغم وجود مستخدمين للإنترنت على المستوى الوطني، فإن هذا الاستخدام يتسم بعدم التكافؤ، حيث:
يتركز الوصول الفعلي إلى الإنترنت في المدن الكبرى وبين فئات محدودة نسبياً.
تعاني المناطق الريفية والمتضررة من سني الحرب والأزمة من اتصال ضعيف أو متقطع.
امتلاك الهاتف المحمول، رغم انتشاره، لا يعني القدرة على استخدام أدوات الاقتصاد الرقمي، تماماً كما يوضح تقرير البنك الدولي على المستوى العالمي.
كذلك فإن الإنترنت في سورية عبارة عن خدمة ضعيفة وتكلفة مرتفعة، فلا تقتصر مشكلة الإنترنت لدينا على مسألة الوصول من حيث المبدأ، بل تتعداها إلى جودة الخدمة نفسها. فحتى لدى من يمتلكون اتصالاً بالإنترنت، يعاني معظم السوريين من:
سرعات بطيئة لا تتيح استخداماً فعالاً للتعليم أو العمل عن بُعد.
انقطاعات متكررة وعدم استقرار الشبكة، ما يجعل الاعتماد عليها اقتصادياً شبه مستحيل.
تدنّي جودة الخدمة مقارنة بتكلفتها، إذ تُعد كلفة الإنترنت مرتفعة جداً قياساً بمستويات الدخل المتدهورة.
وبذلك، تتحول الإنترنت– التي يفترض أن تكون أداة تمكين– إلى عبء مالي إضافي، يؤكد ما أشار إليه تقرير البنك الدولي من أن ارتفاع تكلفة الاتصال يمثل أحد أهم أسباب إقصاء الفقراء عن الاقتصاد الرقمي.
أما الكهرباء فهي العائق الذي لا يذكره التقرير صراحةً لكنه حاضر بقوة في سورية، حيث يفترض تقرير البنك الدولي ضمنياً وجود حد أدنى من البنية التحتية، وعلى رأسها الكهرباء. غير أن الحالة السورية تكشف عن عقبة إضافية وحاسمة. فالانقطاعات الطويلة للكهرباء تعني عملياً:
استحالة الاعتماد على الإنترنت بشكل منتظم.
صعوبة تشغيل أجهزة الكمبيوتر أو حتى شحن الهواتف.
غياب أي فرصة حقيقية للعمل الرقمي المستقر.
وهكذا، تصبح الفجوة الرقمية في سورية فجوة مزدوجة: فجوة في الاتصال، وفجوة في الطاقة، وهو ما يضع السوريين في وضع أسوأ من كثير من الفئات الفقيرة التي شملها تقرير البنك الدولي.
مستوى المعيشة كشرط أساسي للاستفادة من الاقتصاد الرقمي
يشير تقرير البنك الدولي بوضوح إلى أن انخفاض تكلفة التكنولوجيا وحده لا يكفي لتمكين الفقراء من الاستفادة منها، ما لم يتحسن مستوى المعيشة بشكل عام. فالفقراء، حتى مع توفر الإنترنت نظرياً، يضطرون إلى إعطاء الأولوية للغذاء والسكن والدواء، على حساب الإنفاق على الاتصال الرقمي أو الأجهزة.
وفي الحالة السورية، يصبح هذا العامل أكثر حدة. فمع تدني الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة، لا يشكل الإنترنت أو الكمبيوتر أداة استثمار في تحسين الدخل، بل يُنظر إليه ككلفة إضافية لا يمكن تحملها. وهذا ينسجم تماماً مع تحذير البنك الدولي من أن التكنولوجيا الرقمية لن تقلص الفقر إذا لم تترافق مع تحسن حقيقي في الظروف المعيشية.
فرص العمل الضائعة– حين تتحول التكنولوجيا إلى امتياز
يوضح تقرير البنك الدولي أن الوصول إلى الإنترنت يرتبط مباشرة بزيادة فرص العمل والدخل، وبانتقال العمال إلى أنشطة أكثر إنتاجية. وفي سورية، يظهر الوجه الآخر لهذه المعادلة:
محدودية شديدة في فرص العمل المحلية.
صعوبة شبه كاملة في الاستفادة من العمل عن بُعد أو الاقتصاد الرقمي الحر.
حرمان واسع من التعليم والتدريب عبر الإنترنت.
وبذلك، لا يواجه السوريون نقصاً في الوظائف فقط، بل حرماناً من الأدوات التي تمكّنهم من خلق فرصهم بأنفسهم، وهو جوهر ما يحذّر منه تقرير البنك الدولي.
سورية كنموذج حي لتحذيرات البنك الدولي
تقدم الحالة السورية مثالاً صارخاً لما قد يحدث عندما تتقاطع ثلاثة عوامل في آن واحد: الفقر الواسع، والفجوة الرقمية، وانهيار البنية التحتية.
فالأرقام التي يسوقها البنك الدولي عن الفقراء عالمياً تجد في سورية ترجمة عملية أشد قسوة، حيث لا يؤدي الإقصاء الرقمي إلى تهميش مؤقت، بل إلى انسداد طويل الأمد في مسارات الخروج من الفقر.
ما لم تصل التكنولوجيا إلى السوريين، لن تصل الوظائف
يخلص تقرير البنك الدولي إلى حقيقة واضحة: التكنولوجيا الرقمية ليست حلاً سحرياً، لكنها شرط أساسي لأي استراتيجية جادة لمكافحة الفقر. وعند إسقاط هذه الخلاصة على الواقع السوري، يصبح الاستنتاج أكثر إلحاحاً: لا يمكن الحديث عن خلق فرص عمل أو تحسين سبل العيش دون معالجة جذور الفجوة الرقمية، وفي مقدمتها الإنترنت والكهرباء وبناء المهارات الرقمية، والأهم تحسين الظروف المعيشية بشكل عام.
إن استمرار إقصاء السوريين عن الاقتصاد الرقمي لا يعني تخلفاً تقنياً فقط، بل يعني عملياً إقصاءهم عن اقتصاد المستقبل، تماماً كما تحذر أرقام ومعطيات البنك الدولي.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1262