قرار وقف استيراد «الصوص وبيض الفقس» خطوة متوازنة أم تحدّ جديد؟!
في خطوة باتت مألوفة ضمن سياسة إدارة الملف الزراعي والغذائي في سورية، أصدرت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير بتاريخ 14/1/2026 قراراً بوقف استيراد مادتي «الصوص» و«البيض الفقس»، وذلك بهدف تنظيم استيراد المنتجات المرتبطة بقطاع الدواجن ودعم الإنتاج المحلي وتحقيق التوازن في السوق المحلية، على أن يدخل القرار حيز التنفيذ اعتباراً من مطلع شهر شباط وآذار على التوالي.
بينما يُقدم القرار ضمن سياسة حمائية للإنتاج الوطني، تظل نتائج التجارب السابقة مع قرارات مماثلة محدودة وقصيرة الأمد لوقف استيراد منتجات أخرى مرتبطة بالقطاع، مما يؤكد أن هناك أزمة هيكلية أعمق يعانيها قطاع تربية الدواجن مما يعني أن القرار بمثابة حل ترقيعي مؤقت لأحد أعراض الأزمة ولا يقدم حلاً جذرياً شاملاً.
هذا يطرح تساؤلاً مُلّحاً حول الجدوى الحقيقية لهذا القرار؟
فمضمونه يحمل فجوة زمنية بين تاريخ إصداره وتطبيقه الفعلي المتدرج (من شباط إلى آذار)، فهذا الهامش الزمني الذي يمنح مهلة واسعة وقوة اقتصادية لحيتان الاستيراد للتخزين أو زيادة حجم الواردات وإغراق السوق مما يُفِقد القرار جزءاً كبيراً من فعاليته منذ البداية ويحدث اختلالاً في السوق.
هذا ما أكده رئيس لحنة الدواجن المركزية في اتحاد غرف الزراعة «نزار سعد الدين» لصحيفة «الثورة» بتاريخ 21/1/2026 قائلاً «إن القرار بصيغته الحالية وتوقيته قد لا يكون كافياً لمعالجة الأزمة المتفاقمة، وأشار إلى الوضع الصعب الذي يمر به قطاع الدواجن، وأن الفائض الحالي من الإنتاج سيستمر إلى حين تطبيق القرار مما سيحد من فعاليته مؤكداً وجود فائض كبير من الصيصان وبيض الفقس مما يستدعي التطبيق الفوري محذراً أن الوضع الحالي يدفع المربين إلى ذبح الأمهات المنتجة وإعدام فائض الصيصان» والنتيجة خسائر مضاعفة للمربين تعمق الأزمة.
والأخطر من ذلك هو السياق العام لضعف الرقابة الذي يُطبق فيه القرار، وهذا ما حد من جدوى قرارات المنع في العام الفائت، فغياب أدوات الرقابة الفعالة على المنافذ والحدود أدى إلى استمرار التدفق استيراداً أو تهريباً، ليُترك المنتج المحلي المُثقل بتكاليف إنتاجية مرتفعة في منافسة غير عادلة.
فالحماية الحقيقية لا تعني إغلاق باب الاستيراد فقط، بل تعني بيئة متكاملة لدعم سلسلة القيمة بأكملها، فحماية الصوص المحلي تكون بدعم تكاليف تربيته المرتفعة من الأعلاف إلى الأدوية وتأمين المازوت والكهرباء خاصة في فصل الشتاء الحالي وردم فجوة التكلفة، حيث يباع الصوص بـ 10 سنتات من الدولار بينما تبلغ تكلفة إنتاجه 45 سنتاً، وهذا يعد جوهر أزمة قطاع الدواجن الذي يعاني ارتفاع تكاليف الإنتاج ما يجعل المنتج المحلي غير قادر على المنافسة أمام فارق السعر للمستورد (الأرخص).
فالمعالجة الحقيقة في القرارات الصادرة تكمن في تعزيز القدرة التنافسية للمنتج المحلي بتأمين مسار دعم حكومي متكامل لمدخلات الإنتاج مما يحقق الاكتفاء الذاتي المستدام.
فقطاع الدواجن في سورية ليس مجرد نشاط اقتصادي عادي، بل قطاعاً استراتيجياً يرتبط بالأمن الغذائي ويُشغّل عشرات الآلاف من الأيدي العاملة في الإنتاج والنقل والتسويق والبيع، وهو مصدر رزق للعديد من الأسر السورية، ومعالجته تتطلب استراتيجية شاملة تخرج من منطق القرارات الانفرادية والحلول الترقيعية (المنع الثابت أو الجزئي) إلى إدارة أكثر مرونة.
فخطة الإنقاذ الحقيقية تبدأ بدراسة قدرة الإنتاج المحلي على تغطية الاحتياجات كمّاً وجودة وسعراً، والتي يجب أن تعمل بشكل متوازٍ مع دعم مدخلات الإنتاج لخفض التكلفة وتحقيق هامش ربحي للمربين مع تعزيز آليات الرقابة الجمركية والمحلية لمكافحة التهريب مع وضع سياسة تنظم الاستيراد وبكميات مدروسة وفق تقييم دقيق للاحتياج الفعلي، كذلك تأمين قروض مّيسرة وأسواق لتصريف المنتجات مع إنشاء مخابر تحليل في كل محافظة من أجل سرعة وسهولة تشخيص الأمراض، مما يشجع المربين على الاستمرار ليصبح المنتج الوطني الخيار الأول للمستهلك في السوق المحلية وفي أسواق التصدير أيضاً.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1262
منية سليمان