قرار جامعة حلب والنشر العلمي... خطوة متقدمة في ظل غياب سياسة وطنية موحّدة
في وقت بات فيه البحث العلمي المؤشر الأهم على جودة التعليم العالي ومكانة الجامعات عالمياً، اتخذت جامعة حلب خطوة نوعية تعكس وعياً مؤسساتياً بأهمية النشر العلمي المنظم. فقد أصدر مجلس جامعة حلب القرار رقم (1820) في جلسته رقم (6) بتاريخ 13 كانون الثاني 2026، واضعاً إطاراً واضحاً وملزماً للنشر العلمي لأعضاء الهيئة التدريسية وطلاب الدراسات العليا.
حين تبادر الجامعات...وتتأخر المنظومة
يأتي هذا القرار في سياق محلي يعاني منذ سنوات من غياب منظومة وطنية موحّدة للنشر العلمي، في ظل عدم صدور سياسة شاملة من قبل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أو مجلس التعليم العالي تنظّم شروط النشر، وعدد الباحثين، وآليات الدعم المالي، ومعايير المجلات المعتمدة.
ما الذي ينص عليه قرار جامعة حلب؟
ألزم القرار أعضاء الهيئة التدريسية بنشر بحث علمي أصيل واحد على الأقل كل عامين في مجلات علمية خارجية محكّمة ومعتمدة ضمن قواعد البيانات العالمية، مع تحديد عدد المشاركين بثلاثة باحثين لأعضاء الهيئة التدريسية، وأربعة باحثين لطلاب الدراسات العليا.
كما تضمّن القرار بعداً تحفيزياً مهماً من خلال اعتماد ميزة النشر المكثف، حيث يتم احتساب الأبحاث الإضافية للأعوام اللاحقة، فضلاً عن تحمّل الجامعة تكاليف النشر وفق السقوف المالية المعتمدة سابقاً.
قرار محلي... بمعايير دولية
عند مقارنة هذا القرار بما هو معمول به في الجامعات الدولية، يتضح أن جامعة حلب لم تبتكر شرطاً استثنائياً، بل تبنّت ما يُعد حدّاً أدنى من المعايير العالمية. ففي الجامعات الأوروبية والآسيوية، يُحدَّد عدد الباحثين بشكل واضح، وتُربط الترقية الأكاديمية بالنشر الدوري في مجلات محكّمة مفهرسة عالمياً، مع وجود دعم مالي مؤسساتي للنشر.
أما في الجامعات الأمريكية والبريطانية، ورغم عدم وجود سقف عددي صارم، فإن التقييم الأكاديمي يعتمد على جودة البحث ودور الباحث الفعلي، وتُخفض القيمة العلمية للأبحاث ذات التأليف المفرط غير المبرر.
من هذا المنطلق، فإن تحديد جامعة حلب لعدد الباحثين لا يُعد تقييداً للبحث العلمي، بل إجراءً تنظيمياً يهدف إلى ضمان الأصالة العلمية ومنع التضخم الشكلي في التأليف.
المبادرة الجامعية... وغياب الإطار الوطني
ورغم أهمية قرار جامعة حلب، إلا أنه يسلّط الضوء في الوقت ذاته على فجوة تنظيمية واضحة على المستوى الوطني. فحتى اليوم، لا توجد سياسة موحّدة صادرة عن وزارة التعليم العالي أو مجلس التعليم العالي تُحدّد...
شروط النشر العلمي الدوري.
عدد الباحثين المعتمد في البحث الواحد.
معايير المجلات العلمية الدولية المقبولة.
آليات تمويل النشر ودعمه.
ونتيجة لذلك، تعتمد كل جامعة سياسات متفاوتة، ما يؤدي إلى غياب العدالة الأكاديمية وتفاوت المعايير بين أعضاء الهيئة التدريسية في الجامعات المختلفة.
لماذا نحتاج إلى منظومة وطنية موحّدة؟
إن وجود منظومة وطنية للنشر العلمي لم يعد خياراً، بل ضرورة ملحّة، لما لها من دور في...
توحيد معايير التقييم الأكاديمي.
رفع تصنيف الجامعات السورية.
توجيه البحث العلمي نحو الجودة لا الكم.
حماية الباحثين من الوقوع في مجلات وهمية أو غير معتمدة.
تعزيز النزاهة والمسؤولية العلمية.
من المسؤول؟
تقع المسؤولية الأساسية في هذا الملف على عاتق وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ومجلس التعليم العالي، بوصفهما الجهتين المخوّلتين بوضع السياسات الوطنية العامة للتعليم العالي والبحث العلمي. وتبرز الحاجة اليوم إلى الانتقال من القرارات الفردية إلى إطار وطني جامع يستثمر المبادرات الناجحة، مثل تجربة جامعة حلب، ويحوّلها إلى سياسة عامة.
من المبادرة إلى السياسة
إن قرار جامعة حلب يشكّل نقطة ضوء في مسار معتم طال انتظاره، لكنه لا ينبغي أن يبقى اجتهاداً منفرداً. فالبحث العلمي لا ينهض بقرارات جزئية، بل بسياسات وطنية واضحة ومستدامة. وما لم تبادر وزارة التعليم العالي ومجلس التعليم العالي إلى بناء منظومة موحّدة للنشر العلمي، ستبقى الجامعات تتحرك منفردة، ويتأخر الارتقاء الحقيقي بالتعليم العالي في سورية.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1261