المكافحة الحقيقية للفساد تتطلب سياسة عامة للدولة، الإجراءات المؤسسية المنعزلة «على أهميتها» غير كافية...
رهف ونوس رهف ونوس

المكافحة الحقيقية للفساد تتطلب سياسة عامة للدولة، الإجراءات المؤسسية المنعزلة «على أهميتها» غير كافية...

أكد حاكم مصرف سورية المركزي «عبد القادر حصرية» في منشور على صفحته في «فيسبوك» بتاريخ 10/1/2026 «اعتماد تقنية المتسوّق الخفي أو العميل السرّي في المتابعة والرقابة على استبدال العملة الجديدة عبر دخول أشخاص مؤهلين إلى المؤسسات بصفة متعاملين عاديين لتقييم أداء الموظفين وفرق العمل والعمليات التشغيلية لضبط أي مخالفات»، وفي سياق متصل وصِف إجراء مديرية النقل في «حرستا» بريف دمشق أنه يحصل للمرة الأولى في سورية، حيث قررت «أن كل من يُخبِر عن حالة رشوّة أو فساد موثقة، يُعفى من الدور لمرة واحدة فقط»، حسب ما ذكرته صحيفة «الوطن» بتاريخ 5/1/2026.

هذه الإعلانات تُطرح كإجراءات مبتكرة لتعزيز النزاهة والشفافية والحد من مظاهر الفساد التي تعاني منها مؤسسات الدولة لخلق بيئة عمل آمنة تقوم على الثقة المتبادلة بين الموظفين والمتعاملين، وهذا يفتح باب التساؤل حول جدواها وكفايتها للإصلاح الحقيقي والشامل؟!


هامة ولكن؟!


اعتماد آلية الرصد المفاجئ بالتخويف من العقوبة كرادع للموظف، أو الحافز المشروط ليكون المواطن عيناً رقابية من باب تعزيز ثقافة الشكوى وتسريع معاملته وكشف التجاوزات، ليست سوى آليات ذكية على الورق، آنية وغير مستدامة وليست مضمونة النتائج، ووهم بيروقراطي بأن التصيّد أو الحافز سيكافح الفساد، فهذه الإجراءات، ودون التقليل من أهميتها، لا تعالج الأسباب العميقة لتفشي الفساد الإداري في مؤسسات الدولة مما وفر بيئة خصبة للرشوة والانحراف الوظيفي.


السياسات الأجرية المُهينة


الأجور المتدنية العامل الأساسي الذي يدفع إلى الممارسات غير القانونية، فالدخل المحدود يدفع كثيراً من الموظفين للبحث عن مصادر دخل إضافية أمام أجر لا يكفي لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم المعيشية، وهذا (من باب التوصيف وليس من باب التبرير ولا التعميم) خلق بيئة مناسبة للرشاوى أو استغلال النفوذ لمصالح شخصية.


بيئة عمل هشّة إدارياً


غياب الرقابة وتعقيد الإجراءات يفسح المجال للممارسات غير المشروعة، ناهيك عن الثغرات في بعض النصوص القانونية أو غموض بعض التعليمات التي تعد كالعصا السحرية لدى الموظف لعرقلة المعاملة وحلّها مقابل (ثمن فنجان قهوة!)، كما يلجأ بعض المواطنين لطرق ملتوية (الرشوة أو بديل السرعة) لمن لا يحتمل التأخير والانتظار في طوابير لإنجاز معاملته، وذلك مقابل حقه الطبيعي في الخدمة، خاصة في المواقع التي تشهد تماساً مباشراً بين الموظف والمواطن.


الحل بإصلاح حقيقي


هذا الواقع يجعل الموظف والمواطن في حلقة مفرغة، فإذا كانت الغاية الحقيقية «الإصلاح»، فالمعالجة تبدأ من زيادة الأجور لتتناسب مع تكاليف المعيشة لحياة كريمة مما لا يدفع الموظف للبحث عن مصادر دخل غير مشروعة، كذلك إصلاح الهيكل الإداري وآليات العمل من خلال تبسيط الإجراءات وتقليل البيروقراطية التي تفسح المجال للابتزاز والرشوة، مع تفعيل دور الرقابة الاستباقية من خلال اعتماد تقنيات المراقبة الذكية، وتقليص دور الموظف الوسيط بالتحول إلى تقنية الخدمات والمعاملات الإلكترونية.


المطلوب، سياسة عامة للدولة


بالإضافة إلى أهمية وضرورة معالجة الخلل في الأجور والثغرات في بعض النصوص القانونية والتعليمات التنفيذية والقرارات، المطلوب وضع معايير موّحدة ومرنة تُطبق على جميع مؤسسات الدولة مما يوفر إطاراً واضحاً لعمل الموظفين، بما يعزز النزاهة والشفافية ويرسل رسالة قوية بأن مكافحة الفساد وتجفيف منابعه مسؤولية وطنية مشتركة وليست خطوات مؤسسية فقط ومنعزلة، كذلك إطار قانوني واضح يسهل عمل الجهات الرقابية والقضائية للمساءلة وتطبيق القوانين بشفافية وعدالة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1261