الليرة الجديدة قوامها «السلوك»؛ و«الوعي»؛ و«الثقة»!
في منشور على صفحته في فيسبوك، في 31 كانون الأول 2025، قدم وزير الاقتصاد نضال الشعار، مجموعة من «التوصيات» و«النصائح» للمواطنين حول كيفية التعامل مع العملة السورية الجديدة.
ولم يكتفِ الخطاب بالطول– وهو ما اعتذر عنه الوزير– بل كان نخبوياً، ومنمّقاً، وبعيداً عن الهموم الملحة والمباشرة لأغلبية السوريين، ومنفصلاً– نوعاً ما– عن الواقع.
المواطن وسلوكه
ركز الوزير على «سلوكيات» المواطنين و«الثقة النفسية» كعوامل أساسية في نجاح عملية تغيير العملة. فحثّ المواطنين على التعامل «الإيجابي» مع العملة الجديدة، وعدم الاحتفاظ بالقديمة، وتجنب الشائعات التي تؤثر على استقرار السوق. وأكد على أن «الثقة» في الاقتصاد وفي العملة هي مفتاح النجاح.
واستخدم السيد الوزير تشبيهات حيادية، واصفاً العملة الجديدة بأنها «وسيلة نقل أفضل» وأكثر راحة، وبالتالي ستجعل العملة الجديدة المعاملات المالية أكثر كفاءة وسهولة.
ولكن التشبيهات «البريئة» لا تعكس حقيقة أن قيمة العملة تآكلت، أو أن القوة الشرائية قد انخفضت. وبدا المنشور محاولة لتحويل الانتباه عن التحديات الحقيقية، وتبريراً للعجز عن معالجة المشكلات الاقتصادية الهيكلية، مثل عجز الموازنة، وضعف الإنتاج، وتحميل المسؤولية «لسلوك» الناس وثقتهم.
مصطلحات للتبسيط!
ولإضفاء طابع علمي أشار الوزير إلى قانون «غراشام»، وفسَّره بأنه احتفاظ الناس بالأفضل فيما يستخدمون الأسوأ، وأوضح أن هذا السلوك، أي تداول القديم لأنه مألوف، والاحتفاظ بالجديد لأنه «أفضل»، سيؤثر على سعر صرف العملة الجديدة، ما لا يعكس جودتها الحقيقية، ويُضعف من قدرتها على أداء دورها، ويجعلها عرضة للمضاربة.
لكنه تجاهل حقيقة أن 90% من السوريين لا يملكون فائضاً مالياً يمكّنهم من الاحتفاظ بالجديد؛ فكل ما يحصلون عليه يُنفق فوراً في محاولاتهم اليومية للبقاء على قيد الحياة. كما أن الفقراء، وهم الغالبية العظمى من الشعب، لا يملكون «حرية اختيار» كيفية تعاملهم مع العملة!
التناقض بين الخطاب والواقع
لا يختلف منشور وزير الاقتصاد عن مجمل الخطابات الرسمية، المفعمة بعبارات برّاقة، والتي تسعى جاهدة إلى إبراز صورة معيّنة، بعيدة عن معيشة المواطنين، ما يحرف النقاش عن الحلول الجذرية.
فقد صوّر الوزير «القلق» على أنه حالة نفسية فردية، يمكن معالجتها بتغيير طريقة التفكير بالعملة الجديدة وآليات التعامل بها. ولكن عندما يكون تسعة أعشار المجتمع يعيشون فقراً مدقعاً، فإن «القلق» يتحول من حالة نفسية إلى روتين يومي؛ فهو خوف مستمر وملموس من الجوع، ومن المرض دون علاج، ومن فقدان المسكن، ومن عدم القدرة على توفير مستقبل للأطفال!
أزمة الخطاب
يفترض منشور الوزير مساواة وهمية بين المواطنين في القدرة على الاختيار بين العملتين، ويحول الأزمة المعيشية إلى «مرحلة انتقالية طبيعية» حسب وصفه. كما يساوي بين «قلق» كبار التجار وأصحاب رؤوس الأموال من التضخم، وقلق الفقير من الجوع. ويقدم حلولاً نخبوية «كالهدوء» و«الثقة» و«التعامل الطبيعي»، لا تستطيع الغالبية تطبيقها بسبب الضغوط المادية.
والحقيقة أن أي خطاب رسمي يحاول طمس الواقع القاسي للسوريين، والالتفاف عليه بمصطلحات منمّقة، لا يخدم إلا إدامة الأوضاع القائمة.
فأي تغيير نقدي لا يبدأ من إعادة توزيع الثروة، في بلد يعيش 90% من سكانه تحت خط الفقر، ويكون مصحوباً بضمانات معيشية، هو تغيير شكلي سيعمّق الفقر حتى لو «حسّن» وسائل التداول.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1260
سارة جمال