النموذج الاسترشادي لمادة اللغة الإنكليزية للشهادة الثانوية لا يعالج المشكلة!
تحت عناوين «رنانة» عن رفع المستوى اللغوي للطالب وتحسين جودة العملية التعليمية، أصدرت وزارة التربية والتعليم بتاريخ 3/1/2026 النموذج الاسترشادي الامتحاني الجديد لمادة اللغة الإنكليزية للصف الثالث الثانوي «البكالوريا».
يبتعد النموذج المعتمد في غالبية الأسئلة عن الأسلوب المؤتمت إلى الأسلوب التقليدي، الذي يحوي الكثير من مهارات كتابية لم يتدرب عليها الطلاب وفق المنهاج المعتمد حالياً، وهذا يطرح سؤالاً محورياً:
متى ينتهي هذا النهج الارتجالي في اتخاذ القرارات، وهل فرض نموذج امتحاني جديد يضع مستقبل الطالب في هذه المرحلة المصيرية على المحك، سيبني مهاراته ويعالج جذر المشكلة في تعليم وتعلّم اللغة الإنكليزية في المدارس؟!
يكمن جوهر الإشكالية في الفجوة القائمة بين محتوى النموذج الامتحاني الجديد والمنهاج الدراسي الحالي سلسلة «Emar»، فهذا المنهاج الذي تم طرحه عام 2021 استبعد بشكل كامل المهارات الكتابية والتحليلية، التي تعاد إلى الواجهة في النموذج الجديد الذي كان معتمداً من عام 2013 حتى 2022، والذي يعتمد النص الموازي وسؤال الترجمة والكلمات المفقودة وإكمال الجملة، نمط لم يألفه الطالب أو سبق أن تدرّب عليه خلال رحلته التعليمية، فكيف يمكن قياس كفاءة الطالب في مهارات لم يتعلمها أساساً؟!
هذا التناقض فاضح وينم عن إشكالية منهجية مُغيبة عن أعين الوزارة، التي أغفلت عامل الوقت الضيق المتبقي في حال تطبيقه في الامتحان النهائي لهذا العام، وعواقب ذلك على تحصيل الطالب، أو توجه بعض الطلاب لإهمال اللغة الإنكليزية ومحاولة ضمان الدرجة النهائية للغة الفرنسية للمفاضلة عليها.
فهذا القرار لا يكفي الآن لتعويض سنوات من التقصير والإهمال في إعداد مناهج اللغة الإنكليزية لجميع المراحل التعليمية على أساس بناء المهارات بشكل فعلي، فرفع جودة التعليم لا تكون بنموذج امتحاني يهدد مستقبل جيل كامل!
إصدار هذا النموذج الآن، وسابقاً قرار «إلزامية اللغة الإنكليزية كمادة مُرسبة»، هي سياسة تربوية تعتمد الحلول الترقيعية، وكأن جودة التعليم الحقيقية تُبنى بقرارات أو أن الكفاءات تُقاس بساعة امتحانية تحت ضغط الوقت.
علماً أن العملية تراكمية تبدأ افتراضاً من اللبِنّة الأولى في مرحلة التعليم الأساسي، وإذا كانت الغاية التحسين، وهي ضرورة، لكن يجب أن تبدأ الوزارة من:
إعادة النظر بمناهج اللغة الإنكليزية بشكل كامل، وإعدادها علمياً بشكل مدروس ودقيق وتشاركي مع خبراء ومختصين مدعومة بآراء المعلمين، حيث تعتمد على بناء المهارات، من تفعيل فقرات الاستماع والصوتيات إلى النطق السليم والقراءة الصحيحة، كما التحدث بطلاقة مع تنمية مهارة التفكير النقدي والكتابة الإبداعية، بعيداً عن الحشو والتلقين، أي منهاج يعلّم اللغة كوسيلة للحياة وأداة للتواصل والمعرفة، لا مجرد مادة دراسية نظرية تحصر تفكير الطالب في الدرجات الامتحانية.
إعادة تأهيل وتقييم المعلمين، فالغالبية يتحدث باللغة العربية في الحصّة الدرسيّة بدلاً من اللغة الإنكليزية، وهذه الثغرة نتج عنها كارثة لغوية تصطدم بالواقع العملي، فيجب وضع معايير صارمة لانتقاء المدرسين وإخضاعهم لدورات تدريبية على طرق تدريس حديثة وتفاعلية لضمان الوصول السلس للمعلومة، وإنهاء نمط الحفظ واستبداله بالفهم الذي يخلق لدى الطالب دافع التعلم وحب اللغة.
هناك فجوة بين مخرجات الطالب واحتياجات سوق العمل، فيجب ربط المناهج والأساليب الجديدة المتبعة بالواقع، فاليوم مطلوب من يمتلك مهارات (كالتحدث والكتابة باللغة الإنكليزية) أي المتمكن لغوياً واستثمار ذلك في العمل، لا الجيد دراسياً بدرجات امتحانية عالية.
هذا النموذج الاسترشادي قد يكون مؤشراً إيجابياً لمحاولة التحسين والتطوير، لكنه غير كافٍ، بل جرس إنذار لأزمة تعليم متفاقمة للغات في المدارس.
فالتغيير الحقيقي يتطلب تأسيساً صحيحاً، والمسؤولية اليوم كبيرة وتتطلب خطوات جدية من الوزارة تبدأ بالمناهج وتطوير بنية التعليم والاستثمار الفعال في المعلم، لتكون اللغة جسراً نحو العالم لا حاجزاً أمام الطالب، دراسياً ومهنياً، في المستقبل.
فالتعليم مستقبل بلد وهويته واقتصاده وصحته و...، وليس مجرد شهادة ورقية، أما التربية فهي مسؤولية أخلاقية وقيميّة ووطنية، قبل أن تكون مجرد إجراءات وقرارات إدارية، والتغيير ضرورة لا تحتمل سياسة الترقيع والتسويف، وقد آن الأوان لبناء جيل وطني منتج وواثق وقادر على المنافسة والإبداع.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1260
رشا عيد