شبح الخسائر يطارد مزارعي القمح... والأرقام الأولية لموسم 2026 تؤكد تراجع المساحات...!
لقد كان القمح في سورية منذ عقود طويلة بمثابة العمود الفقري للأمن الغذائي وللاقتصاد الوطني على حدٍ سواء، لكن الأعوام الأخيرة شهدت تراجعاً مستمراً في إنتاج هذا المحصول الاستراتيجي وسط تحديات طبيعية وبشرية مركبة، وبسبب سياسات متوحشة أعلنتها حرباً على الإنتاج والفلاح والاقتصاد الوطني.
فكيف للفلاح ألّا يعزف عن زراعته مع الموسم الجديد، وهي مخاطرة خاسرة قبل أن تبدأ؟!
أما الحرب الكبرى فهي على «رغيف الخبز» وفق نهج متعمد على ما يبدو لإنهاء محصول القمح وتهديد مستقبل الأمن الغذائي في سورية.
الخطة «الطموحة» ورقياً
تتراجع مواسم القمح عاماً بعد آخر، مع استمرار وضع الخطط الزراعية الطموحة وفق مبدأ «نسخ لصق»، مع غياب الدعم الحقيقي، لتظهر بالمحصلة خُلبيتها (على مستوى التنفيذ والإنتاج والدعم)، فتبدأ الذرائع والمبررات.
فالخطة لموسم 2025-2026 تهدف إلى زراعة 1,4 مليون هكتار حسب رئيسة قسم التخطيط الإنتاجي في الوزارة المهندسة «ميساء حايك»، متوقعة إنتاج 2,8 مليون طن.
هذه الأرقام تبدو متفائلة، لكن ماذا عن مدى واقعيتها!
وهل هناك منهجية تخطيطية شاملة تراعي الظروف الراهنة والاحتياجات المائية، كما استعداد الفلاح وصلاحية ومساحة الأراضي، وحجم الاحتياج المحلي؟!
دعونا لا نتشاءم، ولكن الأرقام لا تكذب!
فالخطة الزراعية لموسم 2024-2025 لم تختلف كثيراً من حيث المساحات المخططة والإنتاج المتوقع الذي كان عند حدود 3 ملايين طن، وذلك حسب بيانات الوزارة، لكن التنفيذ كان بالإنتاج الفعلي نحو 922 ألف طن فقط!
فهل سيجري أخذ الدروس والعِبر من كارثة العام الماضي، وخاصة المحصول البعلي، وهي المساحات الأوسع، التي خرج جزء كبير منها من الخدمة الإنتاجية بسبب الجفاف، مع اتباع أساليب بدائية لمواجهة هذا الخطر؟!
الواضح حتى اليوم أنه يجري السير على الخُطا ذاتها، وتجيير النتائج لتأثير التغيّر المناخي، دون اتخاذ إجراءات جدية لتغيير مسار ومآلات كارثة منتظرة، وهو ما يتضح عملياً حتى الآن!
التنفيذ والواقع
تشير أرقام مديرية الزراعة بدرعا إلى أن ما تمت زراعته من محصول القمح المروي بلغ 1,842 هكتاراً من أصل المخطط المقدر بـ 9,950 هكتاراً، بنسبة تنفيذ بلغت 18% فقط، فيما لا تتجاوز المساحة المزروعة بالقمح البعل 17,000 هكتاراً من أصل قرابة 87,000 هكتاراً، أي بنسبة تنفيذ 19% فقط، علماً أن زراعة المحصول شارفت على النهاية، خاصة أن إنتاج المحافظة يعد الأكثر جودة والمصدر الأول لمؤسسة إكثار البذار، بالإضافة إلى ما تستجره مؤسسة الحبوب للاستهلاك المحلي.
بينما تشير تقارير مديرية الزراعة في دير الزور إلى تدنٍّ بمساحات القمح المزروعة للموسم الحالي، فحسب تصريح رئيس دائرة الشؤون الزراعية والوقاية في المديرية المهندس «عبد الحميد العبد» لصحيفة الحرية بتاريخ 31/12/2025، فالمساحات المزروعة كانت حتى تاريخه قد بلغت 9,500 هكتاراً، بينما الخطة تصل إلى 22,000 هكتاراً.
هذه ليست مجرد أرقام على الورق، إنما إنذار خطِر، ونتيجة لمعاناة المزارع خلال المواسم السابقة وخوفه من تكرار سيناريو الخسائر أمام شح الأمطار والجفاف وانخفاض الدعم، أو انعدامه، بينما السبب الأهم ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، من البذار والأسمدة إلى المحروقات والمبيدات، وغيرها من تكاليف السقاية والحراثة، التي وقفت حائلاً دون زراعة أرضه، فقد أكد أحد المزارعين أن تكلفة زراعة الدونم حالياً تصل إلى 1,5 مليون ل.س بالحد الأدنى، وقد ترتفع مع أي طارئ، أي إن الدونم سيدخل الموسم محملاً بأعباء لا تنتهي. فماذا عن ثمرة تعبه أمام تسعيرة الشراء غير المجزية؟!
كل ذلك وما زال الفلاح ينتظر أمام المصرف الزراعي لتحصيل أبسط حقوقه من الموسم الفائت!
النتيجة المحسومة مسبقاً
فعن أي دعم تتحدث الوزارة!
فلا يكفي تحديد أسعار البذار «المدعوم» أمام محدودية الكميات وتأخر وصولها، ليترك الفلاح تحت رحمة من لا يرحم من تجار السوق السوداء، حيث يباع بـ 6,800 ل.س للكيلو (مع عدم اليقين من الجودة والمصدر)، بزيادة قدرها 1,300 ل.س عن السعر الرسمي، حسب ما أكده أحد المزارعين.
ولا يختلف الأمر بالنسبة للسماد، حيث أكد مدير فرع المصرف الزراعي قي دير الزور المهندس «محمد عكل» أن تدخلات فروع المصرف بشأن توزيع السماد تتم وفق «الكميات المتوفرة» والتي لا تتجاوز 200 طن من السماد الترابي ومثلها «لليوريا».
والنتيجة تبدو واضحة بالنسبة للموسم القادم منذ الآن!
فهذه الأرقام دليل ملموس على السياسات الزراعية المُهينة والمُحبِطة والطارّدة للفلاح!
سوق استهلاكي مشوه وأكثر تبعية
سورية تعاني منذ سنوات من تراجع إنتاج محصول القمح، وزادت الفجوة العام الفائت بين الحاجة الفعلية والإنتاج المحلي الذي انخفض إلى 40%، ما دفعها إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد لسد فجوة احتياجات رغيف الخبز، أي فاتورة باهظة الثمن تُثقل كاهل الاقتصاد المنهك أساساً، بالإضافة إلى خضوع أهم مصدر للغذاء المتمثل برغيف الخبز لتقلبات الأسواق العالمية وارتفاع الأسعار.
إن استمرار النهج المتبع بالإقصاء المُتعمّد للإنتاج عموماً، والزراعي بما في ذلك القمح كمحصول استراتيجي خصوصاً، لمصلحة المستفيدين من شريحة النهب والفساد على حساب المصلحة الوطنية يكرس تحويل سورية من بلد منتج إلى سوق استهلاكي مشوّه أكثر استغلالاً وتبعية، حتى برغيف الخبز، القوت الرئيسي للغالبية المفقرة في البلاد.
على المحك
اليوم لم يعد ملف الأمن الغذائي ملفاً تقنياً على طاولة الاجتماعات، بل قضية تمس لقمة عيش المواطن.
فحسب برنامج الأغذية العالمي، فإن نصف سكان سورية يعانون انعدام الأمن الغذائي، فيما يواجه ثلاثة ملايين شخص خطر الجوع الشديد.
وعلى الرغم من أرقام الواقع أعلاه، والتجارب المريرة السابقة والتحذيرات الأممية، لم يجرِ اتخاذ أي خطوات عاجلة لتفعيل سياسة الاعتماد على الذات بتقديم الدعم الحقيقي للفلاحين، بينما يدفع المواطن السوري ثمن ذلك بتعميق الفقر المدقع والمزيد من انعدام أمنه الغذائي.
وما يجري اليوم لا يعد استثنائياً من تقلبات المناخ إلى تحديات الواقع، إنما هو مؤشر على هشاشة السياسات الزراعية والاقتصادية.
فالاستراتيجية الوطنية لدعم الفلاحين، وإعادة النهوض بالزراعة، وخطط التكيف مع التغير المناخي، بالإضافة إلى تقنيات الزراعة الذكية ومحاربة الفساد والمستغلين، باتت حاجة وضرورة وطنية ملّحة، وأي تأخير في المعالجة اليوم سيضاعف حجم الأزمة غداً.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1260
رهف ونوس