مازوت التدفئة للمدارس في سورية، أزمة تتكرر كل عام لتصبح المخصصات مجرد وهم بالدفء...!
بدأت «أربعينية الشتاء» معلنة قدوم موسم البرد والأمطار، الذي اصطحب معه كل أشكال اللامبالاة الرسمية ومضاعفة معاناة الطلاب في المدارس من البرد، لتتحول الشُعب الصفية إلى قبب ثلجية يُسمع فيها حتى صوت ارتعاش الأجساد، التي لا ينفعها ارتداء ألبسة شتوية مضاعفة مع زوجين من الجوارب للوقاية من البرد الشديد، وأجساد أخرى ينهشها الفقر والجوع وينخر عظامها البرد وتحلم بسترة شتوية خفيفة وحذاء بلا زوج من الجوارب، مشهد لا تتلاشى ملامحه القاسية مع شعارات رنانة عن «قدسية العملية التعليمية» والسعي إلى تأمين بيئة آمنة ودافئة لضمان راحة الطلاب، في ظل ظروف مناخية قاسية من شدة البرد ومعيشية مؤلمة من شدة الفقر.
فالدفء لا توفره تعميمات وتوجيهات رسمية، ولا آلية توزيع محدودة لمازوت التدفئة للمدارس بعنوان (شم ريحة الدفا بس).
فهل سنشهد هذا العام الطلاب وقد التحفوا بالبطانيات التي حملوها من منازلهم داخل الشعب الصفية، كما جرى خلال سنوات سابقة أمام هذا الواقع؟!
أرقام لا تحرك أطراف الأصابع المتجمدة!
مع كل شتاء تعود أزمة التدفئة في المدارس السورية إلى الواجهة، فالمشكلة لا تتعلق بالكميات وحدها بل بآلية التوزيع أيضاً، فتصل متأخرة وبمخصصات قليلة لكل شعبة صفية.
فمثلاً، مديرية التربية والتعليم بحماة باشرت التوزيع بدءاً من 18/12/2025 حسب تصريح مديرها أحمد المدلوش لصحيفة الوطن بتاريخ 26/12/2025، مؤكداً أنه قد تم توزيع نحو 317,566 ليتر من مازوت التدفئة لهذا الفصل الدراسي، لـ 16,714 شعبة صفية، وبناء على هذه الأرقام سيكون نصيب كل شعبة 19 ليتراً فقط!
وبحسبة بسيطة، فهذه الكمية إذا تم تقسيمها على أسبوع دوام واحد، دون أيام العطل (جمعة وسبت)، ستكون بمعدل 3,8 ليتراً يومياً، أما في حال تقسيمها على الأيام المتبقية من فصل الشتاء كدوام فعلي، فالنتيجة أن الكمية «نقطية» لا تكفي لإشعال المدفأة دقائق معدودة في اليوم!
هذا مجرد «دفء ورقي»، وأرقام في السجلات أمام فضاءات كالثلاجات تتجمد فيها الأجساد وتدخل الأصابع المُزرقة من شدة البرد في تحدٍ يومي للإمساك بالقلم، وخاصة الأطفال (طلاب الحلقة الأولى في التعليم الأساسي).
فكيف للعقول أن تحافظ على تركيزها؟
وكيف للعملية التعليمية أن تستمر والتحصيل العلمي أن يُثمر؟!
وكيف للمعلمين الاستمرار بأداء مهامهم على أكمل وجه في ظل هذه الظروف القاسية؟!
حق ضائع والعواقب؟
من المفترض أن الطفل أمانة لدى الدولة ويجب ضمان حقه ببيئة تعليمية آمنة وصحية، لكن واقع الحال في سورية عموماً، وفي الصفوف الباردة، يتحدث لغة أخرى، فالطفل محروم من أبسط الحقوق.
فحرمان الطالب من الدفء شكل من أشكال العنف البنيوي والإهمال المؤسسي الفاضح، والدراسات تؤكد أن العنف في المدرسة لا يقتصر على الضرب بل يشمل كل ما ينتهك حقوق الطفل الأساسية.
ولا تنتهي تداعيات هذه الأزمة عند الجانب التعليمي، بل تمتد إلى الواقع الصحي، وانتشار الأمراض ونزلات البرد، خاصة مع تزايد حالات الانفلونزا الموسمية.
وعليه لم يعد غريباً أن يفضل بعض الأهالي إبقاء أطفالهم في المنازل في أيام المنخفضات القاسية لحمايتهم من البرد وخطر الإصابة بالمرض، الذي سيُحملهم أعباء إضافية من فواتير تعد ولا تحصى (هموم بغنى عنها)، أو يلجأ البعض الآخر لضمان عدم التغيب عن الدروس، بإرسال كمية من المازوت مع أطفالهم على حسابهم الشخصي لضمان بيئة تعليمية دافئة وآمنة لهم، أمام لامبالاة السياسات وتوحشها!
التوجيهات والتعميمات «نوايا» لا تؤمن دفئاً!
هذه كارثة إنسانية، تدين السياسات الحكومية المنفصلة عن الواقع، والوزارة التي تكتفي بالتوجيهات للقيام بجولات ميدانية والتأكد من سلامة الأبنية وجاهزية وسائل التدفئة في المدارس، ومديرياتها التي على ما يبدو لا ترى ولا تسمع، حتى لم تنقل واقع حال المدارس التي تنتظر مازوت التدفئة الشحيح منذ سنوات، أمام ظلم السياسات السابقة، وعلى ما يبدو الحكومة الحالية تعمل على تكريسها، فهي تتنعم بالدفء والطلاب يتجرعون مرارة البرد!
فتوفير مازوت التدفئة للمدارس وبكميات عادلة ومنطقية ليس مِنّة إنما هي مسؤولية وواجب وطني وأخلاقي وقانوني.
فكم جيلاً يجب أن يتجمد برداً وفقراً وحرماناً من أبسط حقوقه حتى تتحرك ضمائر المسؤولين؟؟!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1259
رهف ونوس